بعد أن ارتكب النظام مجزرة المرجة اتفق جميع الشباب أن تخرج جنازة حاشدة مهيبة في اليوم التالي،
فاجتمع الشباب فيما تعارفوا على تسميته لاحقاً: مظاهرة الجنائز في المرجة،
وكان بعض الشباب يقول -بحسن نية أو بسوء نية- اخرجوا إلى النظام إلى الدوار،
وكان هدف النظام من هذا الاستدراج ارتكاب مجزرة أخرى بحق الشباب؛
لأن العصابة الأسدية تخاف الدخول إلى وسط المرجة بين العشائر،
وكان هناك شيخ خمسيني ينظم الشباب ويوجههم، فذهبت إليه وقلت له: احذر من السماح للشباب بالخروج إلى الدوار، وإلا ارتكب النظام مجزرة أخرى.
فقال لي: طبعاً شيخي -وكأنه يعرفني من قبل-، فمعظمهم طلاب جامعة يريدون إخراجهم من الحارة ليستفردوا بهم.
فلما عجز النظام عن الاستدراج اضطر للدخول بأعداد كبيرة، فرمت علينا قوات حفظ النظام قنابل مسيلة للدموع،
وكُنت في شبابي أرى الشباب الفلسطينيين يمسكون القنبلة ويعيدونها إلى قوات الاحتلال،
فحاولت تجريب ما يفعلون،
فكانت النتيجة أن التصقت القنبلة بيدي، وتبين أن القنبلة الإسرائيلية بلاستيكية أما هذه فهي معدينة من الألمنيوم، فكانت النتيجة كالصور التالية.
وكان طلابي كلما سألوني: ما بها أصابعك يا دكتور؟
فكنت أقول لهم: كنت أساعد زوجتي في الطهي فاحترقت أصابعي بالقدر!!!
ثم تفرق الشباب وتوزعوا في بيوت أهل الحي في صورة لم أجد لها مثيلاً في حياتي من النخوة والكرم والجرأة في حماية المظلوم،
فقد كان كل صاحب بيت يقف على باب بيته ويقول:
تفضلوا يا شباب…
إلى حين بردت الأمور وتم تشتيت قوات حفظ النظام، ثم عاد كل واحد منا إلى بيته…
وعندما زرت المرجة فيما بعد رأيت أن العصابة الأسدية – عليها لعنة الله وعلى كل من ساندها بكلمة – لم يبقوا حجراً على حجر!!!

