من هو المعاق بيننا ؟!!

13221-18-12-1431-24-11-2010 من هو المعاق بيننا-الجماهير-ص2

مقال في جريدة الحماهير السورية صـ 2

العدد 13221

بتاريخ 18/ 12/ 1431هـ

الموافق 24/ 11/ 2010م

فكرت كثيراً لماذا لم يطلق القرآن على المرضى ذوي الحالات المزمنة لقباً خاصاً بهم ، واكتفى بأن قال : { لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ ، وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ ، وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } [النور : 61 ، الفتح : 17] . رفع عنهم الحرج لعدم مقدرتهم على تأدية بعض العبادات ، تماماً كما يجوز لمن لا يقدر على الصلاة واقفاً ـ لسبب من الأسباب ـ أن يصلي جالساً ، فإن لم يستطع فمستلقياً ، فإن لم يستطع فبالإيماء .

لم يطلب من المسلمين مد يد العون لهم ، ولا الشفقة بهم ، ولم يلتمس لهم نوعاً خاصاً من المعاملة والتمييز عن غيرهم . من يدري ؛ فلعلنا نحن من يستحق الرأفة والشفقة لا هم !! ونحن من يحتاج للمساعدة والإعانة لا هم !!

فهم قد فقدوا حاسة أو عضواً أو … لكن الواحد منا عندما يفتقر للتفكير الحضاري فقد خسر كل حواسه … يراقب الواحد منا جريدة الإعلانات كل يوم علَّ مدير شركة من الشركات يتصل به فيترجاه أن يصبح مدير قسم في الشركة ، أو أن يصبح مدير أعماله ، أو أن يسلمه إدارة الشركة بأسرها .

تأملت كثيراً ، ففوجئت بأن الإسلام ينظر لهذه القضية نظرة مختلفة تماماً عن تصوراتنا القاصرة ؛ لأننا نحن من يعاني من الإعاقة الفكرية لا هم !!

عندما نفهم الحياة بشكل سليم فسنراهم في المقدمة دوماً ، وعندما نفهمها خطأً فهم أول من يتأثر بقصورنا وجهلنا .

فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَعْمَى [مسلم] .

ولم يكن مؤذناً فحسب ، بل استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على إمارة المدينة في غيابه ، فكان يصلي بالناس إماماً ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ يُصَلِّي بِهِمْ وَهُوَ أَعْمَى [أبو داوود وأحمد] .

بل كان يشارك في المعارك ويحمل الراية ، أي يقود فرقة في الجيش ، فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أيضاً قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ مَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ [مسند أحمد] .

ذلك الصحابي الذي قدمت حياته لنا فكرة عن التعامل مع هذا النوع الفريد والفذ من البشر كان في طليعة التاركين لديارهم وأهلهم ومالهم في سبيل الله ، فكان ثاني المهاجرين من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة . والأغرب من ذلك أنه لم يكن سباقاً لمجرد السبق الزماني ، ولكن للسبق العلمي الذي كان يتفوق به على غيره في مجال القرآن ، فقد كان رضي الله عنه يقرئ الناس القرآن . فعن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ [البخاري] .

بل لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسمح لابن مكتوم رضي الله عنه أن تضعف نفسه أو همته أن تخور بسبب الوضع الذي يعيشه ، بل كان يدفعه للتغلب على واقعه . عَنْ أَبِي رَزِينٍ (مسعود بن مالك الأسدي) عَنْ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ ، شَاسِعُ الدَّارِ [بعيد الدار] ، وَلِي قَائِدٌ لاَ يُلاَئِمُنِي ، فَهَلْ لِي رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي ؟ قَالَ : ” هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ ؟ “ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : ” لاَ أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً “ [النسائي وأبو داود وأحمد] .

وإذا كانت مجتمعاتنا تُلام على تهاونها وتساهلها في القيمة العلمية والفكرية والجسدية لتلك الفئة المؤثرة والفاعلة في المجتمعات ، فإنها تُلام أيضاً على عدم فهمها لقوله تعالى : { عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) } [عبس : 1-11] .

الإسلام يتعامل مع الأشخاص كذوات لها قيمة بشرية لا يجوز إهمالها بحال من الأحوال ، ولا ينظر إلى المظاهر الخارجية والأشكال ؛ سواءٌ أكانت براقة أم كانت كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم : ” كَمْ مِنْ أَشْعَثَ [غير ممشط] أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ [ثوبين باليين] لاَ يُؤْبَهُ لَهُ ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ “ [الترمذي] .

عندها سأفكر ماذا لو كنا جميعاً مخلوقين برجل واحدة فقط ، أو أننا من أصل الخِلْقَةِ بحاستين فقط السمع والكلام ، أو كنا غير قادرين على الكلام والسماع ؛ هل ستتوقف حياتنا لهذا السبب ؟ أم أننا سنتعايش مع الصفة التي خلقنا الله عليها ؟!!

لقد خلق الله مخلوقات بهذه الأوصاف في كوكبنا لتكون لنا عبرة وعظة ؛ فمنها الذي لا يرى (الخفاش) ومنا الذي ليس له عينان ولا أذنان (الخلد أو الفأرة العمياء) ، ومنها الذي لا يسمع (الأفعى) ، ومنها الذي ليس له فم ولا يتكلم (الفراشة) {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ، ما فرطنا في الكتاب من شيء ، ثم إلى ربهم يحشرون} [الأنعام : 38] … عاشت تلك المخلوقات في هذه الدنيا بغريزتها للبقاء ، فلماذا لا نعيش نحن بما وهبنا الله إياه من العقل المبدع ، والقلب الذي يخفق بالإيمان والثقة بالله ؟!!

المختص يبحث في المعاني ويدقق النظر فيها ويتأملها ؛ لأن كل مصطلح له مدلول ، أما الإنسان الجاهل فستختلط عليه الأمور وستتداخل بسبب التشويش الذي يعاني منه الجاهل : إعاقة ، عمى ، توحد ، صمم ، بكم ، عرج … هي كلمات ذات مدلول واحد عنده ؛ لأن الجاهل إنسان معاق !!!

لكل مصطلح مدلولاته التي يضيق بها هذا المقال ، فللعرج مثلاً مفهومان : عرج في النظرة إلى الوجود والدنيا والمخلوقات والناس ، وعرج في الأرجل يزول تأثيره مع قوة الإرادة ويزول نهائياً يوم القيامة ، فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : أَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى أُقْتَلَ ، أَمْشِي بِرِجْلِي هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ ؟ وَكَانَتْ رِجْلُهُ عَرْجَاءَ . قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” نَعَمْ “ . فَقُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ هُوَ وَابْنُ أَخِيهِ وَمَوْلًى لَهُمْ ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ” كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكَ تَمْشِي بِرِجْلِكَ هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الْجَنَّةِ “ [مسند أحمد] .

الحواس لا تعدو كونها آلة وليست هدفاً ، والذي يفقد آلةً يستعيض عنها بغيرها ، والهدهد لما كان له هدف أصبح له دور بارز في سياسة دولة سليمان عليه السلام ، فهلا تعلمنا من الهدهد شيئاً عن قوة الإيمان والإرادة ؟!!

وهنا يراودني ذات السؤال الذي بدأت به مقالي : من هو المعاق بيننا ؟! نحن أم هم ؟

اكتب رداً