إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم

كثيراً ما كشفت الكتابة عيوباً لم يكن الكلام الارتجالي ليكشفها، فما أن يلامس القلم الورقة حتى يكتشف أحدنا تناقضاً عجيباً في أفكاره وأرائه، أو حتى خطأً فاحشاً لم يكن ليقع فيه أجهل الناس من البشر. لا أدري إن كان هذا ينطبق على علوم العصر من الطب والهندسة والزراعة والبيطرة وغيرها أم لا، ولكنني واثق تماماً أنه ينطبق على الأفكار الشاردة التي يتجاذبها الناس ويتشاكسون عليها، لا لدليل إلا لدليل العقل الذي يختلف من إنسان لإنسان، حسب ذوقه وانطباعه ورغباته واتجاهاته وخلفيته الثقافية ونوع الكتب التي يقرأها. لذا أفضل دائماً أن تكون آرائي مكتوبة، والرد عليها أيضاً مكتوباً، فإن أخذ الكسل من مناظري نصيباً قلت له لا مجال في ميدان العلوم للمتكاسلين، فإما أن تَنْكَبَ على العلم بكد وجهد وإما أن تحجز لك في مسرح الجهل مقعداً، وكيف للإنسان أن يصل إلى الحقيقة بالثرثرة وهو لا يريد أن يكلف نفسه عناء كتابة ما يقول -على أقل تقدير- فضلاً عن أن الحقيقة لا يُتَوَصَلُ إليها إلا بعناء البحث العلمي، أما أن يكون هدفنا دائماً النقاش والجدال فهذا لا يوصلنا إلى حقيقة ولا إلى شيء، عدا عن أننا منهيين عن النقاش والجدال شرعاً!! ولتوضيح مرادي فسأبدأ مقالتي بقصتين تميزان بين العالم الذي بذل جهده في التعلم ولا يزال يجهِّل نفسه وصولاً إلى الحق، وبين المتعالم الذي قرأ كتابين أو ثلاثة فظن نفسه غدا عالماً أو عظيماً من العظماء بما قرأ.

وقف الناس في مزدلفة لجمع جمار الرجم، فإذا بأعرابي يغسل خصيتي حماره، وحماره يرفس يمنة ويسره، فاجتمع الناس عليه وهو منهمك في عمله، فقالوا: ما تفعل يا هذا؟! فقال وهو يصارع حماره: انصرفوا عني!! قالوا له: يا رجل دع الحمار فقد آذيته!! فقال: دعوني فإني أطبق السنة!!! قالوا: وأي سنة هذه؟! فقال: قرأت في كتب الفقه أنه يسن للحاج أن يغسل خصي حماره. فانفجر من حوله بالضحك، فقال: علام تضحكون؟ أتهزءون بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم؟!! فقال أحدهم: يا هذا إن الذي قرأته فيه تصحيف، وإنما كلام الفقهاء: ويسن للحاج أن يغسل حصى جماره!!!

إننا في حادثة كهذه لا نلوم الفقهاء لأنهم سهروا الليالي للبحث عن أحكام الشرع وتدوينها لنا حتى ننتفع بها، لا نلومهم لأنهم وقعوا في تصحيف واضح يرتكبه أي إنسان غير معصوم بسبب الإرهاق أو حتى سوء الخط، ولكن نلوم ذلك الجاهل الذي أراد أن يطبق السنة دون الرجوع إلى أهل العلم الذين يدركون بعلمهم الفرق بين التصحيف والصواب، وبين القول الذي يستند إلى دليل والذي لا يستند إلى دليل، ويصححون زلات قراءتنا.

وبينما شيخ يلقي درسه في المسجد إذ أثارت كلمة من كلام الشيخ غيرة أحد الحاضرين، فقفز ليقف أمام الحاضرين، وألقى محاضرة في ترك كلام الفقهاء لأنهم رجال ونحن رجال، وأن الواجب علينا اتباع الكتاب والسنة فقط، وبعد أن أنهى محاضرته الموقرة فتح كتاب رياض الصالحين وقرأ: باب حَلْقِ الذَكَرِ. وهنا قال الشيخ: يا هذا.. تطاولت على علماء الأمة فابتلاك الله بخطأ فاحش في النحو وهو من أدوات علوم الشرع، فكيف لك أن تبحث بعد ذلك في أصل علوم الشرع؟!! إنها: باب حِلَقِ الذِكْر.

إننا هنا لا نلوم الإمام النووي لأنه ألف رياض الصالحين، ولكننا نلوم ذلك الجاهل الذي جهل أبسط أدوات العلم وهو النحو، ثم ادعى بعد ذلك أرقى درجات العلم وهي الاجتهاد في أصل العلم!!!

هذه لا تعدو كونها نماذج وأمثلة مصغرة لمن يريد الخوض في ذلك التشريع العظيم الشامل لجميع جوانب الحياة وهو ليس أهلاً لذلك؛ لا فرق في ذلك بين ذلك المعمم الذي لا يفهم شيئاً من الواقع الاقتصادي والسياسي والإعلامي وغيره من علوم واقعنا… وبين ذلك المثقف الذي فهم الواقع أو ذلك السياسي أو الاقتصادي الذي أتقن العلوم المعاصرة ولكن لا علم له بعلوم الشرع وفنونه.

إننا نلوم من قرأ صفحات أو مجلدات من فتاوى ابن تيمية، ثم جلس يجتر بها طوال حياته دون أن يقرأ الفتاوى بتمامها، ولا نلوم ابن تيمية على فتاواه، فلربما لو قرأ الكتاب بتمامه لفهم منه غير ما فهم. نلوم من قرأ صفحات من كتاب الظلال في تكفير طواغيت الأرض، فحمل حملة شعواء على الكتاب وصاحبه وهو لم يقرأ غير تلك الصفحات، ولا نلوم سيد قطب على كتابه الظلال. نلوم من يردد مقولة غيره في الطعن على العلماء الأولين وكتبهم لعبارات سمعها أو قرأها عن أولئك العلماء دون أن يقرأ كتبهم، ولا نلوم ابن كثير وابن عابدين وابن قدامة وابن حجر والنووي والشاطبي… وغيرهم من أصحاب المصنفات التي لو جلس أحدنا لقراءة ما كتبه واحدٌ منهم فقط لم يكفه عمره كله، ونحن لعظم جهلنا المركب نحكم عليهم وعلى كتبهم دون أن نقرأها.

نحن لا نلوم المجاهدين الأفغان على صراعهم فيما بينهم، ولكننا نلوم أولئك المترفين الذين ملأوا بطونهم وكروشهم من أصناف الأطعمة ويركبون أبهى المراكب، ثم يجلسون بعد أن أتخمت معداتهم ليحكموا على هذه الطائفة أو تلك، هذه على صواب وتلك على خطأ. تمتلئ معدة أحدهم بالهواء بعد التخمة فيتجشأ كلاماً يطلقه مع أصدقائه المترفين، ثم يحاول أن يلزم به من حوله، ويا لعظم الكارثة عندما يكون كل الحاضرين كذلك!!! ومن يدري فربما لو كان أحدنا بينهم لم يعصمه الله من الافتتان فترك كل الطوائف وجرى وراء لقمة العيش مع جهة أجنبية!!

نحفظ آية أو آيتين ونجهل ما بقي، ونعلم حديثاً أو حديثين ونغفل عن الناسخ والمنسوخ منها، كما نجهل العام والخاص، والمطلق والمقيد، ثم نريد أن نحكم في الأمور ونختار ما يوافق الكتاب والسنة ونحن نجهلهما؟!!

لا يمكن للقاعد أن يصدر الأحكام في حق المجاهد، ولا يمكن للجاهل أن يكون حاكماً على أقوال العالم. لا يجوز لنا أن نتقيأ الكلام في شرع الله تقيؤاً ونحن في جلسة سمر، ثم نزيد على ذلك أن نحتقر أقوال من سهر الليالي ليصدر حكماً شرعياً صغيراً.

يقرأ أحدنا قولاً فقهياً من الأقوال الشاذة في الفقه فيعجبه لسبب ما!! فيتشبث به تمسكاً بدليله من السنة، ولا يدري صاحبنا أن هذا الحديث موضوع، لأنه يجهل وجود علم كامل يسمى علم مصطلح الحديث. فإن كره قولاً منها وصم تلك الكتب كلها -دون أن يقرأ منها شيئاً- بعبارة: « الكتب الصفراء المليئة بالأحاديث الضعيفة ». تبرأ من علوم السابقين كاملة وهو جاهل بها، ويا ليته أدرك علوم اللاحقين حتى لا يكون مردداً لكلام غيره دون أن يعي معناه. لم يعلم أن الحديث الضعيف عند علماء الحديث ليس موضوعاً ولا مكذوباً على لسان النبي e حتى يُترك العمل به على الإطلاق، ولم يدر أن عبارة: « الكتب الصفراء » هي من عبارات المستشرقين للطعن في شريعتنا وفي علوم الدين على إطلاقها، وإلا فلو أن المستشرقين قرؤوا الكتب الصفراء وهم يتقنون العربية فلربما انتفعوا بها ودخلوا في الإسلام. ثم جاء بعض المتعالمين من شبابنا ليرددوا عباراتهم بحذافيرها، ظانين بذلك أنهم اكتشفوا خللاً عظيماً في الأمة، واكتشفوا له العلاج…

لقد كتب كثير من المعاصرين في قضايا حياتنا بعد تعلم علوم السابقين، وما على أي إنسان إلا أن يبحث في مكتبات الشرق والغرب، وبعد أن يجد ضالته ما عليه إلا أن يقرأ ما وجد، ولكننا أتقنا الحديث والثرثرة مع إصرارنا على الجهل وعدم بذل أي جهد في البحث أو أي عناء في القراءة، ولو كانت المعلومة جاهزةً في كتاب. أم أن العلوم المتخصصة في الطب والهندسة والصناعة والاقتصاد والسياسة والإعلام وغيرها تفتقر إلى التعليم، وعلوم الشرع مع تعقد الحياة وتشعبها غدت أهون وأقل من أن يتعلمها الإنسان من الكتب، فيكفي لحلها حوار في جلسة تسلية وأنس. أسألكم بالله عباد الله ألا تمتهنوا دينكم فقد غدت علومه بحراً، والجرأة شجاعة ومفخرة لمن يريد تعلم السباحة في بركة أو بحيرة، ولكنها حماقة لمن يبتدئ بسبر أغوار المحيطات!!

يستحيل علي في مقال موجز شرح علم التفسير، والحديث، ومصطلح الحديث، والفقه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية، واللغة وعلومها، يستحيل علي شرح علوم أربعة عشر قرناً، يستحيل علي شرح خمسين كتاباً أو يزيد في مقال كهذا، لأقنع إنساناً أن هذا العلم له أهله الذين يتكلمون ويفتون فيه، ونحن من واجبنا أن نطبق ما علمنا ونسأل عما جهلنا. يستحيل علي شرح كل هذا لأقنع إنساناً بجهله بعلوم الشرع كجهلي بالطب والهندسة والصناعة والتجارة وغيرها من علوم الدنيا التي غدت في منتهى التعقيد.

وإلا فبالله عليكم ماذا تقولون بإنسان يذهب في عصرنا إلى طبيب عيون أو طبيب بيطري ليستأصل له ورماً سرطانياً، أو من يذهب لبَنَّاء ليشيد له برجاً من ثلاثين طابقاً دون الرجوع إلى مهندس مدني وآخر معماري وآخر كهربائي وآخر… نعم بإمكاني أن أقرأ كتاباً في الجراحة وأتقنه، وبذكائي أتمكن من استئصال ورم سرطاني ببراعة غير مسبوقة، وبعد ستة أشهر أصلي على المريض صلاة الجنازة بعد أن شحب وجهه وتقرحت جروحه ولم يتوقف نزيفه من وقت العملية. وحينها لن أسمح لأحد أن يتهمني في مهنتي الجديدة، فيكفيني ما قرأت من كتب الجراحة، ولا يجب علي أن أعمل تحت إشراف مختص، كما لا يجب علي أن أقرأ معلومة بسيطة في كتب الطب العامة، وهي أن المصاب بِدَاءِ السكري لا تندمل جروحه، والذي ينقصه فيتامين (E) لا يتوقف نزيفه. أنا جَرَّاح، ولست طبيباً عاماً، ومن حقي أن أمارس مهنتي رَغِمَ أنفُ من أبى. هذا في طب الأجسام، فكيف بطب الإيمان والقلوب؟!! وكيف بشريعة الدنيا كما هي شريعة الدين؟!!

ولو كان إحساسي بالقدرة على أداء المهنة كافياً لحُق لكل إنسان أن يتكلم في شرع الله على هواه وأن يفتي، فكل مسلم يغار على دين الله، وكل إنسان يعتقد في نفسه علماً وفهماً. ولو كان الجاهل يعترف بجهله لرأيته قد خصص جزءاً من وقته للتعلم والقراءة، ولكنه يرى نفسه أفقه أهل الأرض وأعلمهم، وهو بعلمه وفهمه هذا قد اكتفى. ذلك هو الفيصل بين العالم المتواضع الذي يطرح رأيه بأسلوب الاستفهام ليقنع من هو دونه في العلم بخطئه، وبين المتعالم المتغطرس الذي يطرح رأيه بأسلوب التجهيل لكل من حوله من أهل الاختصاص. وإن كنت أنسى فلن أنسى ذلك الرجل الذي كان يرشدني إلى مكان بيته، فإذا بفلاح بسيط من بين الحضور يقاطعه ويقول: إنه من المؤكد يعلم مكان بيته ولكنه عامي لا يستطيع أن يعبر عما في داخله، وشرع هو مشكوراً بإرشادي، ولكنني لثقل في ذهني لم أهتد لشيء!! وبعد أن ذهب انعطفت على صاحب البيت وسألته عن مكان بيته. وما أكثر الجهلة الذين ملكوا زمام البلاد والعباد وعاثوا في الأرض فساداً بسبب جهلهم؛ إنهم لم يفعلوا ذلك عن تعمد وإصرار، ولكنهم وجدوا في أنفسهم الأهلية لتبوء منصب كهذا!!!

ونحن في عصر أصبحنا مجبرين فيه بقبول الأقوال الشاذة -ولو كانت مخالفة لعامة العلماء المشهود لهم بالعلم والتقوى والصلاح- فلا أدري ما الذي سيحل بنا في مستقبلنا، فلربما أجبرنا في يوم من الأيام على العمل بهذه الأقوال الشاذة تحت دعوى طاعة المفتي، ولو كان جاهلاً، أو كان ذلك مخالفاً لاعتقادنا بالحرمة.

هذه هي دعوة الداعين إلى تطبيق الكتاب والسنة مع ضرب علوم أربعة عشر قرناً عرض الحائط. إنني أعترف بعظم دعوتهم، ولكنها دعوة تريد من يقوم بوجباتها كاملة، فيكتشف ببحثه وذكائه علوم السابقين حتى يتوصل خطوة خطوة إلى علوم اللاحقين، لا أولئك الذين غدوا يرطنون بالعجمة ويعرفونها أكثر من علمهم بلغتهم، فشريعتنا نزلت بالعربية ولم تنزل بلغة الشرق « واحد في روح واحد في يجي » أو الغرب « Easy come easy go  ». العاقل هو من يستفيد من علوم من سبقه ويبدأ من حيث انتهى الآخرون، لا من يشرع من البداية وهو جاهل بالبداية والنهاية.

تطبيق الإسلام واجب كل المسلمين، والعمل للدين مسؤولية الجميع كلٌ بقدر علمه واستطاعته. ولكن الفتوى وإصدار الأحكام الشرعية من واجب العلماء، والعلماء فقط. وإلا لم يكن هناك فائدة من تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين الخطباء والعلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: « إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ عُلَمَاؤُهُ كَثِيرٌ، وَخُطَبَاؤُهُ قَلِيلٌ، مَنْ تَرَكَ فِيهِ عُشَيْرَ مَا يَعْلَمُ هَوَى -أَوْ قَالَ هَلَكَ- وَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقِلُّ عُلَمَاؤُهُ، وَيَكْثُرُ خُطَبَاؤُهُ، مَنْ تَمَسَّكَ فِيهِ بِعُشَيْرِ مَا يَعْلَمُ نَجَا »، ولا أدري ما الفرق على هذا المنطق بين العالم والخطيب والقارئ والجاهل إذا كان كل من في رأسه عقل يحق له أن يتكلم في الدين ويفتي. رحم الله عبد الله بن مسعود حين قال: « كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَبِسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ إِذَا تُرِكَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ تُرِكَتْ السُّنَّةُ »، قَالُوا: وَمَتَى ذَاكَ؟ قَالَ: « إِذَا ذَهَبَتْ عُلَمَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ جُهَلاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ قُرَّاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ، وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ، وَقَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ، وَالْتُمِسَتْ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ، وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ » وفي رواية زاد: « وَيَجِيءُ قَوْمٌ يَقِيسُونَ الأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ »، وحتى لا يأتي جاهل ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لا حجة في قوله، فإنني أقول له إن مقولته لها حكم المرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنها حديث في المغيبات التي لا لعلم لبشر بها.

كل الناس له عقل يميز به بين الأمور ولكن إذا علم، وإلا فكل إنسان أمي لا يحفظ آية من كتاب الله ولا يعلم حديثاً من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم له عقل يميز به بين ما ينفعه ويضره (من وجهة نظره)، بل حتى الحيوان له عقل كما أثبت ذلك علماء النفس، فهو يحتال ويفكر ويناور ويراوغ ويتعلم من الإنسان… ثم إن هذا ثابت في القرآن الكريم؛ ألم تتكلم النملة محذرة جماعة النمل من سليمان وجنوده؟! وألم يرشد الهدهد سليمان إلى ملكة سبأ وقومها؟! فهل نسمح للحيوانات أيضاً أن يكون لهم نصيب من الاجتهاد في أحكام الشرع أيضاً؟!!! لا يمكننا أن نحتقر عقول أياً من هؤلاء جميعاً، كما لا يمكننا أن نسمح لهم أن يتصدروا قائمة المفتين في دائرة الفتوى.

حقاً إن الفقه والفهم هبة من الله يمنحها من شاء، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: « مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ».

وأشد ما أعجب له تجهيل الأطباء والمهندسين بعضهم بعضاً لزيادة علم اكتسبوه في نفس الاختصاص، ثم يريدون بعد ذلك من أهل العلم بالشرع أن يفتحوا الباب لكل من هب ودب أن يتكلم في شرع الله، فضلاً عن أنهم يستنكرون على علماء الشرع أن يجهل بعضهم بعضاً لخطأ واضح في الاستدلال والاستنباط. فهل هذا حق محض لأرباب العلوم كلها دون علماء الشرع الإسلامي؟!! أم أن افتقار الاختصاص الشرعي لمؤسسات تحمي حقوقهم العلمية في عصرنا يمنعهم من المحافظة على علمهم واختصاصهم من أن يدخل فيه من ليس منه في شيء، كما يمنعون في بعض بقاع الأرض من المشاركة في الحياة السياسية لأنهم مسلمون؟!! أم أن علماء الشرع تجاوزوا حدودهم بتعلمهم للشرع، إذ كان يكفيهم أن يتخصصوا في الطب والهندسة وغيرها، أو أن يعملوا في التجارة والصناعة فيحصلوا أرقى المناصب وأعظم الثروات، ومن ثم يتكلمون في الشرع بما أوتوا من فهم وفطنة، وبما أضفى عليهم الناس من احترام وتقدير لجاههم ونفوذهم؟!! فأين الفرق بين المتعلم وغيره إذا كانوا عند الناس سواء؟!! أم أنه أسلوب جديد لإقحام أدعياء العلم، وتنفير أهل العلم بالإعراض عنهم والإقبال على الجهال، وما أقسى -والله- أن يرى العالم بعينيه إقبال الناس على المشعوذ الجاهل ولو كان مثقفاً، وإعراضهم عنه وقد بذل نفسه ووقته وعمره لخدمتهم وخدمة آخرتهم؟!!

فوالله لكأننا نعيش قوله صلى الله عليه وسلم بحذافيره: « إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا » لا فرق في ذلك بين رؤوس الزعامة، أو رؤوس الغنى والثروة، أو رؤوس الجاه، أو رؤوس سودهم المجتمع فجعل لهم شأناً كالأطباء والمهندسين والتجار. فتسويد المجتمع لهم إن نفعهم في الدنيا فلن يقيهم عذاب الله إن نطقوا بكلمة لا يدركون عواقبها، إنني لا أغبن في هذا المقال أحداً قيمته ومكانته، ولكنني أدعو باختصار إلى التعلم قبل الكلام.. أدعو إلى احترام مسؤولية الكلمة: { ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً } [الإسراء: 36].

اكتب رداً