أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار

المفتون في عصرنا أربعة : الزعماء ، والأثرياء ، والنساء ، والسفهاء ، ولكل جماعة من أولئك تخصصها في مجال من مجالات الفتوى . فالزعماء يفتون في القضايا السياسية ، والأثرياء في مجال الاقتصاد ، والنساء في الأحوال الشخصية ، والسفهاء في العبادات .

التخصص مطلوب في الشريعة الإسلامية ، ولكنه التخصص المبني على فقه النص وفقه الواقع .. تخصص مبني على العلم ، لا تخصص مبني على الجهل بالنص والواقع معاً .

تدرس لسنوات ، وتحرم نفسك النوم الليالي الطوال ، وتقفل على نفسك الباب وكأنك سجين بعيداً عن زوجك وأولادك ، لتوجد حلاً لمشكلة في منتهى التعقيد ، ثم تنظر إلى الشاشة الصغيرة فتجد شخصاً ـ رجلاً أو امرأة ـ في قمة الأناقة ، يفتي في المسألة بجواب في منتهى السطحية وهو لم يفتح في حياته كتاباً شرعياً واحداً . وإذا دفعتك الجرأة للاتصال بالبرنامج وتوضيح المسألة اتهمك فقيه الزمان وحجة الدهر بأنك بعيد عن روح العصر ، وأنك تتخذ الدين ذريعة لترويج التخلف ، ويبتعد عن النص الشرعي ، لأن أقوى وسيلة للدفاع هي الهجوم ، وصاحبنا دفاعاته الشرعية معدومة ، فهو لا يفقه شيئاً في النصوص الشرعية ، فأي فتوى تلك التي يغيب عنها النص الشرعي !!

إذا أردنا بناء منزل بحثنا عن أفضل شركات المقاولات ، وإذا مرضنا لم نرض بأقل من طيب استشاري مختص ، حتى السباكة والنجارة والكهرباء لها مختصوها ، والذي يتعدى على اختصاص غيره ويمتهن مهنة غيره يعاقب بأقسى العقوبات . إلا الفتوى !! فإننا في هذا العصر نأخذها كالوجبات السريعة من المجالس ، وعلى الطرقات .. من الأطباء والمهندسين والسباكين والنجارين ، ولا مانع من أخذها من الأصدقاء أيضاً . لم نعد نميز في تناول وجبات الفتوى تلك بين ما نأخذه من طاهٍ ملأها لحماً ليشبعنا ، وعامل إصلاح سيارات ملأها زيتاً وشحماً ، وفلاحٍ ملأها روثاً وتبناً ، وبين العالم الرباني الذي يريد أن يملأ قلوبنا بالإيمان واليقين والاطمئنان ، لا أن يملأ بطوننا وجيوبنا وفروجنا وكراسينا . إما أننا لم نعد نميز ، أو أننا لا نرغب في التمييز لأن الوضع المعاش يتماشى مع أهوائنا ورغباتنا وشهواتنا .

كثير هم المفتون ، وقليل هم المستفتون ، لأن الجميع غدا عالماً . يأتي أحدهم ليستفتي ، فيرى المفتى أن المستفتي غنيمة لا يجب أن تُفَوَّت ، فالمستفتون قليلون في عصرنا كما ذكرت . فإذا أشكلت عليه مسألة منعه الكبرياء من تأجيل الإجابة لليوم التالي حتى يستوثق من الإجابة ، ويتجرأ فيفتيه حتى لا يظن المستفتي أنه جاهل ” فيطفش زبون الغفلة “ .

رحم الله ابن عباس ترجمان القرآن رضي الله عنه ، كان يُسأل عن المسألة فيستمهل المستفتي ثلاثة أيام حتى ينظر فيها . ونحن يكفينا من الوقت ثلاث ثوان ، وربما كانت كثيرة أيضاً !!

وحتى إن بدأ المفتي في الجواب الصحيح ، فإنه لن يعدم أن يأتي فضولي ـ لم يقرأ في حياته كتاباً ـ فيقاطع المفتي ويبدأ في الإجابة ، والمفتي يحدق فيهما كأنه قادم من كوكب آخر . وإذا كان المستفتي سأل لحرصه على شرع الله ، فإن صاحب المداخلة قاطع المفتي لأنه ـ في نظر نفسه ـ أشد حرصاً على الشرع من المستفتي ، فهو يريد أن ينشر الثقافة الإسلامية الصحيحة التي تعلمها من صديقه في العمل !! والمفتي قد يكون منحرفاً في ثقافته الإسلامية !!

وكأن الفتوى تكون باختيار إجابة من ثلاث إجابات ، أو بحذف إجابتين ، أو اتصال بصديق !!

هذا كله إذا كان المفتي مختصاً في الشريعة ، وليس حاصلاً على درجة ” الليسانس “ في البلاغة والأدب ، أو أنه بالكاد اجتاز المرحلة الإعدادية أو مرحلة الثانوية العامة بصعوبة !!

وما أجمل تعبير الشاعر ( أبو الحسن الغالي ) بقوله :

تصدر للتدريس كل مهوس * بليد تسمى بالفقيه المدرس

فحق لأهل العلم أن يتمثلوا * ببيت قديم شاع في كل مجلس

لقد هُزِلَت حتى بدا من هُزالها * كلاها وحتى سامها كل مفلس

لا مانع لدي من أن يفتي الجاهل بغير علم، فالمجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد كما يتذرعون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعبثون بكلامه، ولكن بشرط:

سأجتهد أنا أيضاً وأبني برجاً سكنياً، فلستم أنتم أحق مني بالاجتهاد، وإذا جاز الاجتهاد في أمور الآخرة بغير علم، فالاجتهاد في أمور الدنيا أولى وأوجب، وسأطلب من جميع المجتهدين في دين الله بغير علم أن يسكنوا في بنائي العظيم الذي لم يسبقني فيه أحد!!!

فإذا أصبت في اجتهادي فلي أجران، وإذا أخطأت في اجتهادي – وهو الراجح والله أعلم – فلي أجر واحد، وسأعتذر منكم عن الأسقف التي سقطت فوق رؤوسكم، وعن الضحايا والأرواح التي أُزهقت، وعن المهجرين والمشردين، والأموال التي أُتلفت، والجرحى والمصابين والعجزة والمعاقين بسبب اجتهادي.

نعم لي أجر اجتهادي، لكن علي أيضاً وزر جميع الكوارث التي نتجت عن اجتهادي الفاسد قطعاً، فالحديث يتكلم عن أجر وأجرين لمن يفتي بعلم، لا لمن أخفق في اختصاصه في الطب والهندسة وجاء ليتمم إخفاقه في شرع الله عز وجل!!!

إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.

وإذا كانت البداية بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ” أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار “ ، فإن الختام بقول الله عز وجل : {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} .

اكتب رداً