ما إن يأتي ذكر عمي رحمه الله تعالى حتى تتزاحم الأسئلة:
هل كان موته طبيعياً أم تم اغتياله؟!!!
والجواب المختصر في ذلك هو:
لا توجد لدينا أي أدلة على الاغتيال، لكنه نظام في منتهى الإجرام والقذارة، فلا يمكننا تبرئته ولا اتهامه…
قبل يوم زاره في بيته شخصان يحثانه على تحريض الناس، وهما شخصان ليس لهما تاريخ دعوي أو ديني، ويستحيل وصف طلبهما بالإخلاص.
وعندما اشتدت الأمور بقيا في مناطق النظام، وبلغنا أنهم عملاء له.
ومن خلال خبرتنا مع الأنظمة القمعية والأجهزة المخابراتية أن طلب التحريض من شخص لا تعرفه ولا يعرفك هو أحد أمرين لا ثالث لهما:
1- استدراجك بهدف الإيقاع بك من قبل المخابرات ليعرفوا موقفك.
2- حماقة مطبقة من شخص يستحيل أن يكون صاحب موقف، فهو يبحث عن شخص يتخذ موقفاً بدلاً عنه!!!
الحقيقة أن الضغوط كانت عليه من الطرفين؛ فمدراء الفروع الأمنية تزوره بشكل شبه يومي ويضغطون عليه ليخرج على وسائل الإعلام، وأشخاص يتصلون من بريطانيا وأمريكا والإمارات يطلبون منه بجلافة وحماقة ووقاحة ليدعو الشباب للجهاد!!!
ولا أدري لماذا لا يأتون هم إلى هنا، ويفعلون هم ذلك الأمر، وينادوا للجهاد، بل فليكونوا في مقدمة الشباب!!!
خرج رحمه الله تعالى إلى خطبته الأخيرة والمشهورة “نحن أمة الخلود”، واتصل بي يومها كما ذكرت في منشور سابق، وطلب مني أن أخفف الوتيرة في الخطبة ليرفعها هو رحمه الله.
ومع أنه جلس مع الناس بعد الصلاة كعادته، إلا أن ثقيلي الظل لا يستغنون عن طبعهم، فقد رافقه بعض الثقلاء إلى البيت ليكملوا نشر همومهم له.
وكالعادة دخلوا في لغط لا فائدة منه، في وقت لم يكن الهاتف ليتوقف!!!
كان رحمه الله تعالى يضرب على رأسه ويقول:
ماذا أفعل؛ إذا أمرت الشباب بالخروج في المظاهرات فسيقتلهم النظام المجرم، وإن أمرتهم بعدم الخروج فسيشعر النظام الفرعوني بالنصر والنشوة ويحرق الأخضر واليابس؟!!! إنه نظام غاية في الإجرام والقذارة، والمفسدة ذاتها حاصلة على الوجهين.
كان هذا آخر ما قاله في الشأن العام، ثم دخل في غيبوبة سببها نزيف دماغي ضغط على الدماغ، فشكل وزمة في الدماغ، فخضع في اليوم التالي لعملية جراحية لإيقاف النزيف وإزالة الدم المتخثر الضاغط على الدماغ.
قال الأطباء: إن الوزمة تتعافى في بعض الحالات، وتتفاقم في حالات أخرى. وفي حالة عمي رحمه الله تحسنت في أول يومين بعد العملية ثم تفاقمت.
خلال تواجده رحمه الله تعالى في المشفى اتفقنا مع الأطباء أن تكون زيارته في غرفة العناية المشددة ممنوعة، ولم يزره فيها إلا بعض الأقارب، ورئيس أحد الفروع الأمنية في حضور ابنه وصهره، ولا أدري سبب الزيارة، فلم أكن موجوداً ساعتها.
فكنا نستقبل الزائرين في غرفة خاصة لذلك.
جاء كل مدراء الفروع الأمنية، وألحوا على نقله للمشفى الأمريكي في بيروت، فرفضنا تخوفاً مما يخفونه وراء ذلك الأمر، وحتى مع صفاء النية فهو يدل على عدم ثقتهم بالمستوى الطبي لدولتهم المخابراتية التي أنشؤوها.
اتفقت إحدى التنسيقيات على عمل مظاهرة أمام المشفى، لكن المخابرات كانت تعلم بها قبل حصولها، فالتقطتهم قبل أن يبدأوا.
وتم توقيع بيان علماء حلب الذي وقع عليه 110 من طلبة العلم المقيمين في حلب في تلك الفترة.
وكان الشيخ محمد زكريا المسعود حفظه الله يرغب بشدة أن يوقع عليه، لكن أخاه الشيخ عبد الله قال له: توقع عليه فيما بعد، فنحن الآن مستعجلون.
ثم لم يرجعا إلا يوم الجنازة.
وجاء في تلك الفترة إلى المشفى الغث والسمين؛ فقد حكى لنا أبو الغلق البيانوني عمن يثق به رواية قناة الدنيا في تشاجر اثنين على جوال، مما تسبب في ضرب الشيخ أسامة الرفاعي واعتقال المئات وتكسير الجامع بالكامل!!!
ودخل يومها في نقاش مع والدي بشأن رأي عمي في الأزمة، فقال له والدي:
لم يكن أخي عاجزاً عن النطق لتتكلم باسمه أنت، هو يمكنه أن يقول ما يريد قوله.
فقلب الموضوع صاحبنا وتكلم عن أن هؤلاء سفهاء أحلام (يقصد حديث الخوارج ووصفهم بهذا الوصف)، فقال له والدي:
أنا الذي أكلمك وتقول سفهاء أحلام؟!! أنا أكبر منك سناً.. ليست المسألة سفهاء أحلام، بل شباب يريد حقه في الحرية والكرامة ورفع الظلم.
فقال: لا يكون هذا بالتكسير والإفساد…
فقال له والدي:
هل الإفساد في مظاهرات سلمية أتحدى أن يكونوا كسروا فيها شيئاً، أم الفساد والإفساد في قتلهم بالرصاص الحي وهم عُزَّل؟!!
فقال: الذين يقتلون المتظاهرين هم مندسون بين المتظاهرين يقتلون المتظاهرين ليشعلوا الفتنة.
فسكت والدي حينئذ وقال بعد خروجه:
يكرر روايات قناة الدنيا بحذافيرها، فلا فائدة من النقاش معه.
خرجت أنا وابن عمي الذي هو صهره لوداعه، وعندما وصل لسيارته اقتربت منه لأكلمه، فانسحب ابن عمي لآخذ راحتي في الحديث معه، فقلت له: ما توصيف ما يحصل الآن في سوريا؟
فقال: ما رأيك أنت، فأنت مختص بالفتنة في الدكتوراه؟
فقلت له: ما سألت لأجيب أنا، ولكنني سألت لأتعلم.
فقال: هي فتنة.. فتنة.. أليس كذلك؟!!
فقلت: الفتنة تقتضي الاعتزال، فلماذا لا تعصم منا لسانك كما عصم الله منها يدك؟
قال: الاعتزال لغير العلماء، أما العلماء فيجب عليهم بيان الشرع.
قلت: إذن تكون طرفاً فيها.
فقال: بل أنا أنهاهم عن الوقوع فيها.
فقلت: فلماذا لا تنهى النظام عن الوقوع فيها ولا بكلمة واحدة؟!!! فإما أن تقول الحق في الطرفين، أو تعتزل الطرفين!!!
فقال: الكلام في هذا يكول… نتكلم في وقت آخر.
توفي رحمه الله تعالى في الساعة الثانية والنصف، وقد كنا نفكر أن تكون صلاة الجنازة في وقت صلاة ليكثر المصلون عليه، فلما وصلنا خبر الوفاة أصابتنا الصدمة، فلم نعد ندري ماذا نفعل، وأصابني دوار شديد وحالات استفراغ متكرر فور سماعي للخبر.
وغفلنا حتى عن نشر الخبر، فكان أول من نشر الخبر هو بشار أبو الغلق البيانوني، حيث أخذ الخبر من أخته، وسارع لنشره على النت ليحقق سبقاً صحفياً كعادته، فكانت الفترة كافية لاجتماع واتفاق كل تنسيقيات حلب مدينة وريفاً، حتى أن بعض تنسيقيات الريف توقعوا إغلاق المدينة فنزلوا من الليل إلى حلب وناموا عند أقاربهم وأصدقائهم ليحضروا الجنازة.
وفي الجامع الأموي الكبير تشاجر زينكو ورينكو (صهيب وحسون)، وانتقل التلاسن إلى أبناء الطرفين في وسط الجامع.
فقد النظام السيطرة، وأجهزة المخابرات المدنية ضاعت بين الحشود التي ملأت حلب القديمة بالكامل، وأحزنني ألا يجتمع الناس ولا تتوحد التنسيقيات إلا على الموت.
لم أتمكن من حضور الجنازة بسبب مرضي المفاجئ، فقد أصبح وجهي شاحباً ولا أستطيع النهوض، لكن أحد طلابي اتصل بي وقال:
هل أنت بخير دكتور، فالدنيا قايمة هون!!!
قلت له: أنا مريض في البيت، سأحضر فوراً.
اشتريت كولا بيضاء وركبت في سيارة أجرة وانطلقت إلى المقبرة، ووقفت السيارة بعيداً عن المقبرة بسبب الازدحام والفوضى التي تسبب بها الأمن في تفريق شباب سيهدؤون مع الوقت لوحدهم.
مشيت باتجاه المقبرة وأنا أحمل بيدي الكولا في منظر مستغرب من كل الذين رؤني، وكان عن يميني وعن شمالي رجال حفظ النظام يحملون بأيديهم عصي خشبية فيها بسامير، فقلت لأحدهم:
خبئها حتى لا يراها أحد؛ لأنهم إذا رؤها سيخرجون مظاهرة أخرى.
لم يفهم ماذا أعني بكلامي، فقد كان حمارا هو ومن يحيط به ولله الحمد، فقد جلسوا يفكرون طويلاً هل أنا ضابط حتى أنني أمشي بهذه الطريقة وتجرأت على هذا الكلام، أم شبيح، أم متظاهر يجب التعامل معي؟!!
إلى أن دارت العملية الفكرية في رأسهم كنت قد وصلت إلى مدخل المقبرة، فرأيت والدي وإخوتي خارجين من باب المقبرة، وفي المقابل عن شمالي بغل من شبيحة المعادي يرتدي قميصاً أحمر، ويلوح بسكين بيده ويعوي!!!
قام الأمن باعتقال كل الشباب في الجنازة؛ من تظاهر، ومن لم يتظاهر.
ثم أفرجوا عنهم بعد قرابة الأسبوعين بعد وساطات عديدة احتراماً لروح المتوفى!!!
في التعزية أكرمني الله بسبب مرضي أن أجلس في آخر الجامع، وأراقب الغادي والرائح، فلم أكن مضطراً لوضع يدي بيد كثير من المنافقين المشتهر نفاقهم.
وفي أحد أيام العزاء صادف خروجي بعد انتهاء العزاء مع خروج الوفد السياسي لحماس، فاشتبه شكلي على أحدهم مع شخص يعرفه، فسلم علي وتعرف علي، لكن وضعي الصحي لم يمكنني حتى من سؤاله عن اسمه ولا أخذ رقمه، حتى أنني تركته فجأة وتقيأت في حوض الشجرة، ثم رجعت له فناولني منديلاً ثم اعتذر مني بسبب مرضي، ولم ألتق به فيما بعد أبداً.
لقد قاد رحمه الله أكبر مظاهرات حلب، وحضر جنازته وعزاءه البر والفاجر، ولم يجرؤ المنافقون على النيل منه طوال حياته، ولم يتقول أحد على لسانه شيئاً إلا فضحه الله على رؤوس الأشهاد.
فكان موته رحمه الله تعالى استمراراً لجهاده ومساجلاته خلال حياته في مجلس الشعب وكلية الشريعة والحقوق؛ في قانون الأسرة وتعدد الزوجات والحجاب وحرية المسلمين في تأدية شعائرهم التعبديه وإيقاف الظلم والدعوة الباطنية…
فرحمه الله حياً وميتاً…