عندما كنت في سوريا عملت بقالاً حتى تبقى كلمتي حرة مستقلة،
فلا يخضع لساني للقمة عيشي، كما يفعل كثير من المتعيشين بلسانهم في يومنا هذا…
فتعلمت من هذه المهنة من أصناف الناس وألوانهم وأخلاقهم ما أعجز عن وصفه، حتى سرت فيني قناعة: أن البقالة هي كرعي الغنم في الأرياف؛ تلك تسوس فيها الأغنام، وهذه تسوس فيها الناس…
ورأيت من تلك الصنعة ما عجبت له في البدايات، ثم غدا مألوفاً عندما رأيته من أهل الرايات والصولات والجولات:
1- يأتيك أحدهم في سيارة هونداي سوناتا تعمل على البانزين، ثم يساومك 10 دقائق من أجل نصف ليرة سورية، فلا تطاوعه لأنها نصف ربحك، ويحاججك بأسعار جب القبة، فيخرج غاضباً، ويدفع في تحرك سيارته إلى الضفة الأخرى من شارع الفرقان أضعاف ما يساومك عليه!!!
2- يفسد عند أحدهم سطل لبن في الثلاجة، فيأتي ويشتري جديداً من عندك، فيفرغ الجديد عنده، ثم يقلب اللبن القديم في السطل الجديد بعد تفريغه، ثم يأتيك بالسطل مدعياً فساده!!!
وهذا كله في كفة، فإذا لم تستجب له ذهب وأشعل فتنة عظيمة بينك وبين جارك في المهنة.
3- تستيقظ المرأة متأخرة جداً، وتريد أن تدرك طهي طعام الغداء لزوجها، ثم تطلب مستلزمات الطهي على دفعات وكأن المحل لها فقط، وترفض أن تكون على ترتيب ودور الطلبات، فهي ليست الوحيدة المتأخرة في إعداد الطعام، فإذا تأخر الصبي قليلاً في توصيل الطلب أقامت الدنيا ولم تقعدها، ورمت إهمالها علينا وعلى الصبي.
4- اتفق أحد جيراني في الصنعة مع الصناع الثلاثة عندي على أن يعطيهم ضعف أجرتي، مع أن أجرتهم عندي كانت مرتفعة، بشرط أن يخرجوا في ذات الوقت دون أن يخبروني!!!
وبعد أن تجمعت 15 طلبية وأنا أجمع الأغراض من الأرفف وأضعها في حقائب النايلون، فإذا شاب من صناع محل آخر قال لي:
يا شيخي؛ أريد أن أخبرك بخبر سيء، فقد حصل كيت وكيت.
وأخبرني بما حصل.
فوضعت الطلبيات في السيارة وأغلقت باب المحل وأوصلتها، وقد رأيت من أصحاب البيوت خجلاً كبيراً مما لا ينبغي الخجل منه.
فكل عمل يتقوت صاحبه من الحلال هو مفخرة لصاحبه، كائناً ما كان هذا العمل.
5- كان من عادة إحدى الزبونات أنها كلما طلبت منا طلباً توبخنا على الهاتف، فإذا جاءها الصانع أخذ حظه من التوبيخ!!
فمرة وظفنا صبياً جديداً، فقلت له ممازحاً:
إذهب إلى بيت فلان وخذ حظك من التوبيخ، فقد وبختنا جميعاً بما يكفي، ونحن هنا كأسنان المشط، فيجب أن تأخذ حصتك.
فعلمت لاحقاً أن الزبونة التي كانت في المحل في تلك اللحظة هي أختها!!
فقلت في نفسي:
خسرنا زبونتين!!!
فإذا بالزبونة الأولى أصبحت تعاملنا لاحقاً في غاية الرقي والأخلاق، وأختها أصلحت لا تشتري من عند غيرنا!!!
فتبين لي لاحقاً أنها نصحت أختها فقالت لها:
هؤلاء لم يعملوا بهذه المهنة لأنهم من عوام الناس، ولكنهم يريدون كسب رزقهم بالحلال، وأحدهم مدير أعمال والثاني مهندس والثالث أستاذ جامعي، ولو أجروا محلهم لجاءهم أضعاف ما يكسبون بهذا العمل المرهق.
فتعلمت من ذلك درسين:
– الصبر على كل أذى.
– عظيم فعلهما وخلقهما في مقابلة سوء قولي بحسن تعاملهما.
6- ترى من الناس ألواناً وأشكالاً من الخير والعظمة:
– فلا يجدون خللاً في عملك إلا وجهوك بالنصيحة والوعظ.
– أقوام يشترون من عندنا لثقتهم بالدين والأمانة فقط، ويقولون: كلما زاد السند الطيب والحلال في انتقال المال كان أكثر بركة.
وتجد في مقابلهم:
– شخصاً يتعير بناته من النسبة إليه لكثرة ما وقع في الفاحشة، ولا يعطين أرقامهن لأحد أبداً، ولم أر مثلهن في الخلق والدي والتقوى والورع، وهن تربية أمهن الفاضلة حفظها الله، ورحمها إن كانت في عداد الموتى، وهي تعلم ما يصنع زوجها، وتدعو له دائماً بالهداية.
– أطفال يفسدون صناديق المناديل ليأخذوا الهدية من داخله!!
– موظفو التموين الذين يشمعون لك المحل لأنك لم تعطهم رشوة، ويتذرعون بأن الأسعار على الرف مكتوبة بالهندي وليس بالعربي!!!
– شاب يسرق من المحل ليدعو أصدقاءه في مطعم الموجنبو من قيمة المسروقات، حتى لا يكون أقل منهم في القيمة الاجتماعية، بينما يعمل والده صباغاً بعد وظيفته كأستاذ جامعي، لكي يسد الاحتياجات الأساسية لأسرته!!!
– أخت تعمل قوادة لأختها، ويسكنان في بيت واحد، ولا يجرؤ أحد على الشكوى عليهما؛ لأنهم إذا اشتكوا سيصبح جميع موظفي الجنائية والأمن زبائن لهما، وهذا سيزيد الطين بلة.
ولكنهما تسرقان المحلات المجاورة كلها بالسحب بالدين، ثم تختفي فجأة وتغير مسكنهما.
فإذا اشتكى جيرانها عليها فستستقوي بالأمن، فلا تغير مسكنها حينئذ!!!
– موظف أمن مليئ جداً أخذ شيئاً غالياً بالدين، ولم نجرؤ على مطالبته خوفاً من إغلاق المحل.
فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلى كثيراً من خلقه…