3- معركة الحصول على وظيفة خطابة: القائم بأعمال الجامع!!!

هذا هو عبارة عن فيلم هندي كامل بكل إيحاءاته وإثاراته.
المهندس ظ.ن. هو بطل الفيلم، وأول مشاهده الدرامية أنه لم يكن يعطي الخطيب أجرته إلا بعد أن يتصل به الخطيب مائة مرة ويترجاه أن يعطيه أجرته.
فجئته على خلاف العادة، فلم أتصل به حتى يكون هو من يتصل أولاً؛ فقد طلبت الخطبة للدعوة، ولم أطلبها للراتب والمال حتى أسعى وراءه ووراء ماله.
فلم يتصل بي الأخ الكريم إلا بعد مرور ثلاثة أشهر، فكانت هذه الفترة كافية لإعداد تقرير كامل عنه من خلال أقاربه وأصدقائه ومن تعاملوا معه:
1- رجل مفقوع من بدايات حياته، فقد كان يطالب أقاربه بالوقوف احتراماً له؛ لأنه كان المتعلم الوحيد في الأسرة، وكان ضابطاً.
2- عضو عامل في جمعية العاديات في حلب.
3- مهندس مدني فاشل في عمله، ولم يستلم مشروعاً في شبابه إلا وفشل فيه، ثم رفض الناس تسليم أي مشروعات له.
4- فقد ثروته التي جمعها في الكويت لأسباب عائلية لا حاجة لذكرها.
5- أسرته بلا رأس وعلاقتها ببعضها هشة جداً.
6- حاول أن يعوض فشله في اختصاصه بالعمل في الحديث النبوي، ويصف نفسه بأنه عالم في الحديث النبوي الشريف، وسخر نفسه للطعن والانتقاص من أحاديث البخاري ومسلم دون دراسة باقي روايات الأحاديث.
هذه الخلاصة ساعدتني في كيفية التعامل مع في أول اتصال أجراه معي. فقد قال لي:
تفضل لزيارتي.
فقلت له:
أنا مشغول بدراستي.
فقال:
تعال لتأخذ أجرتك؟
فقلت له حينئذ:
أين يقع مكتبك؟
فقال:
في الجميلية.
فقلت له:
ضعه في أي مكان في الجميلية وقل لصاحب المحل: هذه لإبراهيم سلقيني وهو سيحضرها لي.
فقال: نريد أن نتعارف ونتكلم.
فقلت له: متى توفر لي وقت فسأزورك.
وزرته بعد يومين في مكتبه، فوجدت أمامي شخصية أشد وأسوأ مما وصلني من معلومات، وهوطبق الأصل من القذافي.
وبالفعل عندما حصلت ثورة ليبيا كان يدافع عن القذافي بشراسة، وعندما فطس رثاه!!!
بدأ حديثه بالحديث عن علومه وأبحاثه وإنجازاته الجبارة، وسألني:
هل قرأت شيئاً منها؟
فقلت له: لا.
مع أن والدي عرض علي أحد أبحاثه لأفنده، لكنني كنت موقناً بأن الحديث في أي شيء من أبحاثه أو النقاش فيه سيكون سبباً في صراع عنيف، ولم أكن أرغب في استعجال ذلك.
طبع لي مجموعة من أبحاثه، وشرع في مدحها وإطرائها، وذكر كيف أن أشخاصاً في مصر لا يعرفهم ولا يعرفونه قد صمموا له موقعاً على النت لثقتهم بأهمية وعظمة العلم الذي يطرحه!!!
أخذت الأبحاث، ثم أعطاني أجرتي، ثم استأذنته وذهبت.
وتوقفت الأمور على هذا إلى ثلاثة أشهر أخرى، حيث اتصل بي وطلب مني أن أزوره في مكتبه.
وهناك سألني عن رأيي في بحوثه، فأجبته بأنني لم أقرأها بعمق بسبب انشغالي في دراستي. مع أنني قرأتها وكتبت ردودي على حواشيها.
فألح علي أن أقول رأيي فيها بشكل مجمل عام، فقلت له:
لا يمكنني تقديم رأي مجمل عام دون أن أقرأها بعمق، لكن سأسألك سؤالاً عاماً يتعلق بها:
هل رأيك في هذا البحث قطعي أم ظني؟
وبما أنه مصاب بجنون العظمة أجاب بعفوية ووقع في الفخ وقال:
رأيي قطعي.
فقلت له:
كيف يكون رأيك قطعي في مصطلح الحديث، مع أن مصطلح الحديث في مجمله ظني، فهو رأي الرجال في الرجال، وكلا الأمرين ظني؟!!!
لقد أرحتني من قراءتها، فلا أجد وقتاً كافياً لقراءة القرآن القطعي، فكيف سأقرأ كلاماً ظنياً لإنسان يعتقد في اجتهاده القطعية؟!!!
ما إن أنهيت كلامي حتى طار عقله من رأسه، فقفز في اليوم التالي مباشرة إلى الجامع وشرع في محاولاته لإقناع الإمام أ.ن. في الحصول على ترقية ليحل محلي، ووعده بمساعدته في الأوقاف على ذلك.
فطلب الإمام مهلة للتفكير، وفي خطبة الجمعة التالية ذكر لي الإمام ما جرى له في وسط الأسبوع.
فحاولت إقناع الإمام بتنفيذ ما طلبه من ظ.ن.، فالأوقاف مجبورة بي وبنقلي، فإذا وافقوا على طلبه فسينقلوني مجبروين إلى داخل مدينة حلب، وحينئذ سأتخلص من وقت وأعباء المواصلات.
لكن الإمام لم يقبل عرضي، وقال:
مستحيل أن أستلم الخطابة مكانك.
فقلت له:
إذن جاريه قدر استطاعتك؛ لأنه كالقذافي مجنون رسمي.
فبقي ظ.ن. يتابع هذا الأمر ويلح عليه بشكل سمج ويقول له:
لماذا لم تقدم طلب للأوقاف حتى الآن؟!!
والإمام يماطل ويماطل حتى انفجر وقال له:
مستحيل أن أكون خطيباً مكان الدكتور إبراهيم.
فما إن قال له ذلك حتى قال له:
راتبك موقوف حتى يخرج السلقيني من الجامع!!!
وبالفعل أوقف راتبه بتهمة عدم الخيانة وعدم الغدر مدة أربعة أشهر!!!
ثم جاءني توقيف عن الخطابة من دمشق مع أنني كنت أخطب خطب تقليدية تماماً، ونصحني موظفو الأوقاف بالاستمرار في الخطابة ومعالجة الأمر سراً.
وفي الصيف فتح الإمام حلقات قرآن كريم للأطفال، واستنصحني فقلت له خذ رسوماً قليلة وسيأتيك أعداد كثيرة من الأطفال، فالمنطقة مكتظة.
وفعلاً أصبحت الأسر تحضر أطفالها من آخر منطقة م.ه. إلى هذا الجامع بسبب فقرهم وبسبب ارتفاع رسوم الجوامع الأخرى.
فجأ ظ.ن. المبجل وقام بتعليق لوحات على كل جدران الجامع يطالب الناس فيها باستعادة ما دفعوه للإمام، وعدم دفع أي شيء له.
وهنا تعلمت درساً جديداً وهو سياسة التركيع من خلال التجويع!!!
فطلبت من الخادم أن ينزعها فوراً وإلا سأتصل بالأمن السياسي، وفعلاً نزعها وساعدته في نزعها.
وجعلت الخطبة عن الظلم وقهر الرجال والاستعباد والعبودية لغير الله.
وبعد الصلاة جاءني ظ.ن. وقال:
هل تعرف من أمر بتعليق هذه الإعلانات؟
فقلت له:
نعم، أنت أمرت بذلك.
ففوجئ بجوابي لأنه توقع أن أتظاهر بجهلي بمن أمر بتعليقها، أو أنني سأعتذر منه، أو ما شابه. فقال:
كيف تجرؤ على نزعها وأنت تعلم أنني أمرت بتعليقها؟!!!
فقلت له:
لو أمر بذلك عمي مفتي حلب لنزعتها، فلا يجوز شرعاً تعليق الإعلانات على جدران الجوامع، وقد نزعت الدعايات الإنتخابية من قبل.
فقال:
الجامع لي وأنا حر فيه.
فقلت له:
الجامع لله وليس لك.
فقال:
أنا المسؤول عنه.
فقلت له:
إذن أنت مسؤول عن تأخير راتب الإمام.
فقال:
طلبت منه أن يغادر فلم يغادر.
فقلت له:
تطلب من الأوقاف أن تنقله، فهو موظف من قبل الأوقاف وليس من قبلك.
فقال:
أنا أعطي الراتب هنا وأنا صاخب القرار، وأنت والإمام يجب أن تنفذوا أوامري.
فقلت له:
أنا لم أستلم راتبي من ثلاثة أشهر.
فأخرج مالاً من جيبه وعده، ثم أدخله إلى جيبه وقال:
أدخل لنتفاهم في الداخل، ولا حاجة لهذا اللغط أمام المصلين.
فقلت:
بل أريد أن تعطيني المال هنا أمام المصلين ويشهدوا علي، حتى لا أنكر أنني أخذت أجرتي منك.
فاحمر وجهه واضطر أن يعطيني المبلغ، فقدر الله أن يكون 12 ألف ل.س.، وهي مقدار أجرة الإمام. فسألت عمن يعرف بيت الإمام من المصلين، فرفع أحدهم يده، فناولته إياها وقلت له:
أعطها للإمام، واشهدوا أيها المصلون أن الإمام أخذ حقه الآن.
فقال ظ.ن.:
لقد دفعتها أنت له من جيبك، وأنت لم يعد لك عندي شيء.
فقلت له:
لقد أخذ الفقير المظلوم الضعيف حقه، أما أنا فسآخذ حقي منك يوم القيامة من بين عينيك إن شاء الله تعالى.
ثم تركته وذهبت، فشرع الناس بتوبيخه وتهزيئه حتى ذهب.
وفي الجمعة التالية جاءني ظ.ن. وقال:
لقد قرر باني الجامع أن تبقى في الجامع متطوعاً إذا رغبت في الاستمرار هنا.
فقلت له:
لقد علمني والدي أنني أعمل في الطاعات متطوعاً في كل وقت، وأي شيء يأتيني فهو رزق ساقه الله إلي، ولا أطلبه، ولهذا السبب لم أكن أتصل بك ولا أطلب منك أجرتي.
فامتقع لونه مرة أخرى وذهب، وبقيت أخطب بعدها شهراً متطوعاً عدا الثلاثة أشهر التي لي عنده من قبل.
وسخره الله لي لعظيم حقده، فأصبح يذهب كل يوم للأوقاف ويطلب منهم نقلي، بل ويبحث لي عن جامع فارغ لتنقلني الأوقاف إليه، بعد أن شعر أنني ضيف ثقيل لا يغادر بسهولة.
وانتقلت بعدها إلى جامع أويس القرني في حي صلاح الدين الأيوبي.

0 Responses

اكتب رداً