استيقظت فرأيت حلما عجيباً جميلاً:
كان الناس حريصين على المال العام أكثر من حرصهم على أموالهم،
وكانوا يدسون جدوى وفائدة كل قرش من أموال المسلمين قبل إنفاقه،
وكانوا يجتمعون في مقر واحد مع اختلاف آرائهم وعقولهم، ويصبرون على بعضهم أيما صبر حتى يقللوا الهدر جاهدين،
وكانوا يتشاورون ويتعلمون من بعضهم على اختلاف أمزجتهم وجماعاتهم،
وكانوا يتعصبون للشريعة (القانون) أكثر من تعصبهم للأشخاص والجماعات،
فإذا أشكل عليهم أمر تعلموه خشية الوقوع في الخطأ، فلا يقولون: قال فلان وعلان، ولا هكذا تفعل وتقول جماعتنا…
وكانت علاقاتهم مبنية على المحبة والصدق والإخلاص؛ فلا مجاملات فارغة، ولا كذب ودجل وخداع، ولا نفاق، ولا تكلف أو تصنع…
وكانوا رحماء بينهم حتى إنهم لا ينفقون على أنفسهم في فضول الأشياء رغبة في أن يعطوه للمستحق، بل يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
بل إنهم يسرون في تنعمهم كأنهم يفعلون جريمة، خوفاً على مشاعر الفقراء وأحاسيسهم.
وكانوا أشداء على الأعادي مع ضعفهم حتى كأنهم السباع الضواري.
وكان فعلهم يسبق قولهم، فإذا تحركوا تزلزلت لهم الحواضر والبوادي.
وكانوا يتركون فضول القول، فإذا تكلموا كانت كلماتهم كوقع السيف.
وكنت تراهم أضعف القوم مع الضعفاء والفقراء، حتى إن الفقراء والضعفاء ليستحون منهم لتواضعهم.
وكانوا حازمين مع الأمراء والسلاطين حتى لا تجد في مجالسهم أعظم منهم، حتى إن الأمراء والعظماء يرهبونهم.
بيوتهم دول في غاية التنظيم، وتربوا جميعاً على تلك القيم، وهدف كل من فيها واحد.
رأيت كل ذلك فأصابتني نشوة عظيمة،
ثم انطلقت رصاصتان فاخترقتا رأسي وقلبي،
فخرجت من أوهام دنياكم بحلوها ومرها إلى حقيقة الآخرة بجوار ربي…
ومضى الحلم الطويل الذي تسمونه “الدنيا” !!!