إذا لم تحرروا قلوبكم، فلن تستطيعوا تحرير أرضكم!!!
أحبابي في الله؛ إذا كنتم صادقين في تحقيق النصر والفتح فيجب أن تكون مجموعة من الأفكار حاضرة في أذهانكم:
الوصية الأولى: نصركم في توحدكم ولو على رجل حبشي كأن رأسه زبيبة:
توحدوا، فتوحدكم هو باب النصر، وتوحدكم على الباطل في الاجتهاديات خير من تفرقكم على الحق. والحذر كل الحذر ألا تميزوا بين القطعي والاجتهادي من أحكام الشريعة، فيحصل الاختلاف بينكم بسبب الشرع، فتكونوا بذلك كبني إسرائيل الذين قال الله تعالى فيهم: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
الوصية الثانية: طهروا قلوبكم من اعتقاد الانتصار بقوتكم:
فوالله لو كنتم تملكون جيوش الدنيا وسلاحها وعتادها فلن تنتصروا إن ظننتم أن النصر يكون بشيء من ذلك، فقد قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ}.
ووالله لو لم تملكوا عدداً ولا عتاداً، واتخذتم بالأسباب المتوفرة، واعتقدتم اعتقاداً جازماً بأن النصر من عند الله، فتأكدوا أن النصر سيتحقق، فقد قال تعالى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ }.
تأكدوا أن النصر سيتحقق ولو اجتمعت عليكم الدنيا من أقطارها، فقد قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}
اتخاذ الأسباب مطلوب شرعاً، وهو عين التوكل، لكنه ليس سبباً للنصر، ولكن سبب النصر هو الصبر والإيمان الراسخ في قلوبكم.
الوصية الثالثة: احذروا من خواطر التعالي والتجبر في الأرض بعد التحرير:
فإذا وردت هذه الخواطر على أذهانكم أو على أذهان عناصركم فاستعيذوا بالله، فالله عز وجل بحكمته لم يكن لينزع طاغوتاً ليثبت طاغوتاً مكانه، ولم يكن يزيل فرعون ليستخلف فرعوناً آخر مكانه.
فاحذروا من طغيان تحكيم فراعينكم التي في دواخلكم على تحكيم شريعة الله، فتخدعوا بذلك أنفسكم وتحسبون أنكم تحسنون صنعاً…
{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.
تذكروا أننا جميعاً خدم للناس نقضي حوائجهم ونكون في عونهم، والذي يعلم من نفسه أنه خادم فهو يخشى دائماً على وظيفته من الزوال، فتراه يتفانى في حمايتها وصيانتها بالعمل والاجتهاد، وبالأخص إذا لم تكن له فرصة عمل أخرى.
فكيف إذا علمت أن وظيفتك عند الله، وليس لك وظيفة عند إله سواه.
الوصية الرابعة: لا تظنوا أن حلب يمكن تحريرها دفعة واحدة بهجوم واحد على كل القطاعات:
سابقاً حاول الشباب كثيراً أن يحركوا المظاهرات في كامل حلب، ويومها قلت لهم: إن حمص الصغيرة لم تتحرك فيها المظاهرات دفعة واحدة، ولكنها تحركت حياً بعد آخر…
واليوم أقول لكم إخوتي ذات الشيء: لا يمكن تحريك جميع الجبهات باقتحام قوي دفعة واحدة، ولكن ركزوا طاقاتكم جميعاً وضعوا كل ثقلكم على جبهة واحدة تحددونها سراً، وأثخنوا فيها في النظام، ثم تحركوا لجبهة أخرى، وهكذا تبعاً للخطط العسكرية التي تم تجهيزها لكل حي من الأحياء قبل سنة ونصف، ثم توقف العمل بها بعد خيانة الخوارج عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
فإدلب كلها – والتي مَنَّ الله على المسلمين بتحريرها- لا تساوي حيين من أحياء حلب في مساحتها وعدد سكانها.
فالنظام لم يعد يملك من القوة ما يغطي جبهة واحدة إذا وضعتم ثقلكم كله فيها.
الوصية الخامسة: فليكن أول ما تفعلونه بعد التحرير هو بناء دولة المؤسسات المتخصصة:
فكل مؤسسة يقوم عليها أقوام متخصصون يديرونها عن علم، فلا يعبثون بدين الله أو بدنيا الناس وآخرتهم…
فالمسؤولية تكليف وليست تشريفاً، فلا يعقل أن ينشئ لنا عمر رضي الله عنه الدواوين، وبدلاً من أن نطور عملنا وننظمه ونبدأ بمشاريع الحكومة الإلكترونية، نقوم بالرجوع للوراء وإبطال ما أنشأه عمر رضي الله عنه.
فيظن بعض الناس بذلك أن جهلهم شطارة أو ذكاء، فتجدهم يتفاخرون بجهلهم في علوم الدنيا وتولي مناصبها، بدلاً من أن يقولوا للناس: أنتم أعلم بشؤون دنياكم…
فيخلطون بذلك بين علوم الدنيا وعلوم الآخرة، فينصبون فقيهاً في وزارة الزراعة، وينصبون مهندساً في المحكمة الشرعية، بحجة أن عنده ثقافة شرعية، أو أن عنده لحية طويلة أو عمامة يتغنى الناس بضخامتها!!!
الوصية السادسة والأخيرة: وهي أهم وصية، وهي سيادة القانون الشرعي:
وقد أخرتها لأن الإنسان يعلق في ذهنه أول ما يسمعه وآخره، فبدأت بالإيمان الذي يصلح الأفراد ويؤهلهم للنصر، ثم ختمت بالشريعة التي تصلح المجتمع وتحفظ له هذا النصر.
فالشريعة كان يحكم بها النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، ثم جاء الخلفاء الراشدون فحكموا بها شفاهاً، ثم أصبح تحكيمها بكتب الفقه، وأصبحت تكتب الملخصات والاختصارات ليسهل على المفتين والقضاة الرجوع إليها وحفظها وضبطها، ثم حكمت الدولة العثمانية الشريعة بمجلة الأحكام العدلية لقرون.
ونحن اليوم – مع ضخامة عدد السكان – بحاجة لضبط القضاة والمفتين قبل ضبط الناس، وهذا لا يتحقق إلا بصياغة الشريعة في نقاط وأفكار واضحة ومنضبطة ومرقمة في نقاط وعناوين وقواعد يلتزم بها القاضي، والذي أصبح موظفاً ولم يعد مجتهداً كما كان من قبل.
فقضاتكم المخلصون اليوم سيصبحون نقطة في بحر من القضاة الذين فيهم الصالح والطالح، والذين ستزخر بهم دار القضاء الضخمة التي سيتم تأسيسها في حلب.
إن سيادة تلك القوانين والتزام الجميع بها سيمنع حالات الفرعنة الفردية التي تظهر هنا وهناك بين الحين والآخر؛ تلك المنازعة بين سلطة الشريعة وسلطة الأنا الموجودة عند بعض الحجاج وبعض العسكريين وبعض السياسيين، بل وبعض الشرعيين الجهال أو غير المخلصين…
ضعوا هذه الوصايا نصب أعينكم في كل لحظة تتقدمون فيها إلى الأمام، {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}…
فأنتم لا تدافعون عن أرض الشام وحدها، ولكنكم تدافعون عن حياض الأمة كلها وعن أعراضها شرفها؛ علم ذلك من علمه، وجهل ذلك من جهله…
فتخلي العالم كله عنا لا يجيز لنا أن نتراخى أو نتكاسل أو نتهاون، فنحن موظفون عند الله، ولسنا موظفين عند الناس لنعبأ بتخاذلهم أو تكاسلهم أو حتى خيانتهم…
ولنتذكر أن نبينا صلى الله عليه وسلم بدأ وحيداً، ثم هيأ الله له خديجة وأبا بكر وعلي رضي الله عنهم أجمعين، بل سخر له غير المسلمين كأبي طالب…
فالله الله في أمتكم وفي أعراضكم وفي دينكم وفي حرماتكم وفي أرضكم المقدسة…
