مؤتمر: دور العلماء والدعاة في ضبط الخطاب الديني ووحدة الأمة

تمت دعوة عمي الأستاذ الدكتور إبراهيم رحمه الله تعالى لهذا المؤتمر، وكان بتاريخ: 25/ 10/ 2010م

وبما أنه مؤتمر باطني بامتياز فقد ارتأى عمي رحمه الله تعالى – بعد التشاور – عدم الحضور، وطلب مني مراسلة القائمين على المؤتمر لأحضر بالنيابة عنه؛ لأنني شاب صغير، وحضوري لن يرفع من قيمة المؤتمر، ولكن لعل الله يجعل في الكلمة تأثيراً، ولأرى ماذا جرى في دهاليز المؤتمر وأخبر به عمي. فوافقوا على ذلك، وطلب مني عمي إعداد ورقة للمؤتمر وعرضها عليه ليقرأها قبل سفري إلى هناك، فأعددتها وعرضتها عليه، ونصها موجود في آخر هذا المنشور.

وخرجت في من حلب إلى دمشق في يوم المؤتمر بالحافلة لأكون في الفندق يوم بداية المؤتمر صباحاً، فاستملت مفتاح الغرفة لأضع أغراضي، فأشار موظف الأمن المرافق لمسؤول حجز الغرف في الفندق لشخص من بعيد، وبدا لي كأنه المسؤول الأمني لأعمال المؤتمر، ثم ذهب إليه وكلمه وأشار إلي، ثم جاء إلي وطلب مني مفتاح الغرفة، فرجعت من فوري بالحافلة في أول رحلة إلى حلب؛ لأن عرفت أنهم لن يسمحوا لي بإلقاء الكلمة.

فأكرمني الله بعدم حضور المؤتمر ولله الحمد والمنة، بل ولم أدخل القاعة حتى. ثم تابعت أحداثة عن طريق النت فلم أجد فيه حضوراً لأحد من السنة، إذ لم يحضر فيه غير الباطنية وأتباعهم من المنافقين فقط.

لكن الذي لفت انتباهي وبشدة لحظة خروجي من الفندق، قدوم عدد من سيارات المخابرات الجوية (بيجو 404 قديمة) يقودها رجال مسلحون بأسلحة آلية روسية، وينزل منها نساء يلبسن مانطو قصير جداً بالكاد يغطي الركبة، وتحته جورب ضيق يبدي ملامح الأرجل بوضوح، ويغطين رأسهن بإشرب أبيض معقود عند الرقبة كالمشنقة.

ومن يومها بدأت ظاهرة هؤلاء النساء موضع بحثي ودراستي، لا هن تحديداً، فالواضح أنهن من المخابرات الجوية، ولكن كيف ترضى تلك الجماعة أن تستخدم المخابرات زيهن مطية لخدمة الباطنية.

وفيما يلي نص الكلمة التي أنشرها لأول مرة:

بسم الله الرحمن الرحيم

سعادة الدكتور تيسير أبو خشرف معاون وزير الأوقاف للشؤون الدينية والرقابية .

السادة العلماء ، السادة الدكاترة ، الإخوة الحضور ..

فأحيكم بتحية الإسلام : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :

فالحمد لله على نعمة الإسلام ، فبعد أن كنا أمماً قبلية تتصارع مع بعضها ، نئد بناتنا ، ونتزوج محارمنا ، ويقتل بعضنا بعضاً ، فجاء الإسلام فَحَوَّلنا الله سبحانه وتعالى من حياة الغاب إلى أمة متحضرة في كل شيء ، وعلمنا ما لم نكن نعلم ، وكان فضل الله علينا عظيماً .

وملامح الخطاب الإسلامي الصحيح ما هي إلا صورة واحدة من الصور الحضارية التي علمنا الله إياها ، على لسان النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يستحيل أن يأتي بهذه التشريعات من تلقاء نفسه . تلك الملامح هي كغيرها من التشريعات الحضارية التي بإمكان كل إنسان في الدنيا أن يطبقها في حياته مهما كان دينه أو اتجاهه أو انتماؤه ، ودون أدنى تعارض مع أصول عقائده ودينه .

هذه الطبيعة المميزة لهذا الدين أوجدت نظاماً راقياً للتعايش مع كل الملل والديانات في رحاب الإسلام لقرون ، دون أن يشعر أحد بظلم أو غبن أو قهر :

الملمح الأول : تغليب جانب التذكير بالله في خطاباتنا الدينية : فلا ندعو إلى شيء أو أحد من الدنيا ، ولا إلى أنفسنا ، ولكن ندعو الناس إلى الله ، فهذا هو القاسم المشترك الذي يجمع كل البشر في العالم العربي ، بعد أن أعز الله البشرية بهذا الدين عن الخضوع لحجر أو صنم . قال تعالى : {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران : 64] .

الملمح الثاني : عدم التطاول على الرموز الدينية للآخرين . فقد نهى الله جل جلاله عن سب ذوات أشخاص المشركين ، وبقياس الأولى أنه لا يجوز سب الرموز الدينية للمشركين ولا سب معتقداتهم . قال تعالى : {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام : 108].

الملمح الثالث : معالجة القضايا بالحوار والنقاش العلمي ، فقد قال تعالى : {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل : 125] . والواجب علينا كمصلحين ودعاة ومسؤولين أن نبقي هذا المنفذ مفتوحاً ؛ لأن الكبت يولد التطرف الفكري ، ونحن في غنى عنه في مجتمعاتنا .

الملمح الرابع : عدم الخوض في النوايا ؛ لأننا مأمورون بالتعامل مع الناس حسب الظاهر . والنوايا أمرها إلى الله ، هو الذي يتولى السرائر . وكلنا يعرف قصة أسامة بن زيد رضي الله عنه عندما كان في سرية ، فقال رجل من المشركين في المعركة : ” لا إله إلا الله “ ، فقتله أسامة رضي الله عنه، ثم اعتذر للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه قالها متعوذاً ، أي ليبعد القتل عنه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ” أفلا شققت عن قلبه “ [رواه مسلم] .

الملمح الخامس : عدم التعميم في الأحكام ، فإذا نطق رجل من قبيلة بكلمة الكفر فلا نعممها على كل أفراد القبيلة ، وإذا أخطأ إنسان فلا نتهم جاره وقرابته ومن يلوذ به . وإذا تطاول إنسان على دين الله فلا نتهم كل أهل ملته . قال تعالى : {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، وقد وردت هذه الآية في القرآن في خمسة مواضع [الأنعام : 164، الإسراء : 15، فاطر : 18، الزمر : 7، النجم : 38] .

الملمح السادس : ألا نتجاوز بخطابنا الحدود التي وضعها الله لنا في أصول المخاطبات : ففي الخطبة مثلاً نقتصر على موعظة المخاطبين ، وكيفية التعامل مع ما يستجد في حياتهم ، فلا يجوز أن يتقمص الخطيب شخصية وزير ويخوض فيما ليس له الخوض فيه ، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يتطاول في خطبته على أحد من الأقاصرة أو الأكاسرة .

فإذا وقف الواحد منا أمام مسؤول وجب عليه نصحه باللين والحسنى ، فلا نتألى على الله ، ولا نعتقد أننا ملائكة مبعوثين من عند الله بالرحمة أو العذاب ، وإنما نحن وسيلة في الدعوة للحق ، أما الهداية فمن الله عز وجل . فيروى أن رجلا وعظ المأمون وأغلظ عليه ، فقال له : خير منك وعظ من هو شر مني ، فإن موسى وهارون على نبينا وعليهما أفضل الصلاة والسلام لما أرسلهما الله تعالى إلى فرعون قال لهما : {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه : 43-44، والنقل من كتاب النقول الصريحة في شرح حديث الدين النصيحة].

نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” الدين النصيحة “ . فقال الصحابة رضي الله عنهم : لمن ؟ . فقال : ” لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم[مسلم] . فالحديث يدل على أن النصيحة واجبة ، ولكن لكل مقام مقال .

الملمح السابع :التعاطي مع الوقائع والقضايا والأفكار ، لا مع الأشخاص والأفراد . فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقف على المنبر فيقول : ” ما بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا “ . فينقد صلى الله عليه وسلم الفعل والقول ، ولا يتعرض لأسمائهم .

أما الأشخاص والأفراد فواجبنا النصح وهدايتهم على الله وليست من اختصاصنا . قال تعالى : {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص : 56] .

والتطبيق العملي لتلك الملامح أننا آمنا بجميع الكتب السماوية السابقة ؛ بالتوراة والإنجيل والزبور ، وجميع الكتب التي نزلت من عند الله ولا نعلمها . وآمنا بجميع الرسل ؛ آمنا بآدم ونوحاً وإبراهيم وإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ودَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً ، دون تفريق بين أحد منهم .

وندعو البشرية كلها إلى أن يتمموا النور الذي بين أيديهم ، ويزيدوا إيمانهم إيماناً على إيمان ، فيؤمنوا بكتابنا ورسولنا كما آمنا بكتبهم ورسلهم ، كما قال الله تعالى : {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران : 199] .

ولنتذكر جميعاً أننا لم نخلق إلا لشيء واحد ، وهو قوله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات : 56] ، فبها تتحد الأهداف والوسائل .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

د. إبراهيم عبد الله سلقيني

اكتب رداً