ما حصل في فرنسا شأن داخلي لا يجوز وصفه بالإباحة أو التحريم يا قوم، فاعقلوا!!!

أعجب كثيراً من تجرؤ بعض الناس على إطلاق الأحكام جزافاً في قضية من أحكام الولايات السياسية، وتنزيل أحكام العبادات عليها، فملؤوا النت بعبارة: “الأصل في الأفعال التقيد بالشرع”. والحق أن الأحكام الشرعية لا يمكن تنزيلها على ما حصل في فرنسا من وجوه كثيرة جداً، وفيما يلي بعضها:

  1. ما يحصل خارج حدود دولنا من جنايات تدخل تحت أحكام الولايات ولا تدخل تحت أحكام العبادات، فلا تنطبق عليها القاعدة التي يقولها الناس في ذلك. فمثلاً قتل الذمي محرم شرعاً ويدخل في أحكام العبادات، أما قتل أي شخص خارج حدودنا السياسية فهو يدخل في أحكام الولايات.
  2. ما يحصل في فرنسا شأن داخلي لا نتحمل نحن تبعاته كمسلمين، ولا كعرب، ولا كسوريين لو كان الفاعل سورياً. وهذا داخل في القاعدة القرآنية: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164، الإسراء: 15، فاطر: 18، الزمر: 7]. فاتهام ماكرون لنا كمسلمين بالجريمة هو سذاجة وسفاهة منه، فلا ينبغي أن نتجاوب مع التصريحات الغبية ونحاول الدفاع عن شيء لم نفعله نحن. وعليه نشرع في النقاط التالية ببيان أحكام الولايات في هذه المسألة.
  3. الطالب الشيشاني يتبع لروسيا، وبوتين الأرثوذكسي ليس حاكماً مسلماً ليكون القاتل مفتئتاً عليه من الناحية الشرعية الإسلامية.
  4. وعليه؛ فما حصل مشكلة سياسية محضة بين روسيا وفرنسا، وإقحام المسلمين في الوسط هو جهل في القانون الدولي وغباء سياسي مضاعف لماكرون. وعندما تصبح الشيشان والقوقاز تحت سلطة المسلمين فعندها يمكننا مناقشة المسألة المتعلقة بنا من حيث أحكام الولايات.
  5. الحادثة حصلت في فرنسا، وعلى فرض أنه ليس بيننا وبين فرنسا عهود لنحفظها نحن أو نلتزم بها كأفراد بسبب جرائمها في بلادنا وبسبب عدم دفعها لأي تعويضات عن الضحايا الذين تسببت بهم أثناء احتلالها لبلادنا، عدا عن حكمها لبلادنا حالياً من خلال عملائها الأسديين. فعلى فرض عدم وجود عهود بيننا وبين فرنسا فهي المسؤولة عن الجرائم التي يقوم بها المواطنون السوريون في بلادها أثناء الاحتلال القديم المباشر لبلادنا وأثناء الاحتلال الحديث غير المباشر. وأكبر دليل على ذلك إيوائها لرفعت الأسد صاحب مجزرة حماة. والحاصل أننا عندما نصبح أصحاب سلطة في بلادنا فعندها يمكن أن نبحث الحكم الشرعي لما يفعله السوريون في البلاد الأخرى ونصف فعلهم بالحِل أو الحرمة.
  6. على الفرض السابق من عدم وجود عهد بيننا وبين فرنسا، وعلى فرض أن العالم الإسلامي أصبح كتلة واحدة كما يصرح ماكرون ليحملنا المسؤولية، فإن جرائم فرنسا في سوريا أو الجزائر أو أي قرية في العالم الإسلامي تجعلنا في حل مما فعله ويفعله وسيفعله أي مسلم في بلادهم.
  7. مع وجود معاهدة بين قريش والنبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، إلا أن أبا بصير لما كان خارج السلطة السياسية للنبي صلى الله عليه وسلم لم يصف النبي فعله بحل أو بحرمة. فكيف نصف فعل شخص شيشاني بحل أو بحرمة وهو خارج سلطتنا السياسية، بل إننا لا نملك أي سلطة سياسية في بلادنا لنتكلم باسمها، فكيف نتكلم وندافع باسم دول أخرى؟!!
  8. العلاقات الدولية اليوم مبنية على الجنسية وجواز السفر الذي نحمله، ونحن السوريون محرومون من حق جواز السفر، وبالتالي ما يفعله السوريون بعد حصولهم على جنسيات أوروبية أخرى غير ملزم لهم من الناحية القانونية بصفتهم السورية. هذا من منطلق القانون، أما من منطلق الشرع فبيانه في الفقرة التالية:
  9. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)} [الأنفال]. فهذه الآية تدل على أن الولاية بيننا وبين من يقيم في دولة بيننا وبينها معاهدة لا يوجب علينا حمايته، ولا نكون مسؤولين عن تصرفاته وجرائمه حينئذ (هذا على فرض وجود معاهدات بيننا وبين فرنسا، تبعاً لميثاق الأمم المجرمة المتحدة، وقد سبق فرض عدم وجود عهد بيننا وبينهم بصورة الدوليات وصورة الأمة المسلمة الواحدة).
  10. إذا تقرر ما سبق، ففرنسا وحدها تتحمل نتائج تصريحاتها العنصرية المحتقرة للأديان، وهي من واجبها حفظ السلم الأهلي داخل فرنسا، باتخاذ سياسات أكثر توازناً، وباحترام التركيبة السكانية الفرنسية بكل أطيافها، بدلاً من أن ترمي تبعات الإخفاق السياسي والتصريحات الحمقاء على الآخرين.
  11. ننصح المسلمين في أوروبا بتغيير صورة أفعالهم من ردود أفعال متهورة قد تنعكس على المسلمين في العالم الإسلامي بالضرر بسبب ضعف المسلمين وتفرقهم، إلى عمل منظم مخطط كالذي قام به أبو بصير، بشكل لا يتحملون هم مسؤوليته ولا يلحقنا الضرر بسببه بصفتنا الإسلامية، فعدم وصف الفعل بالحل أو الحرمة من حيث الإجمال لا يخرجه عن الكراهة في الطريقة والأسلوب؛ لأنه لم يلتزم بالطريقة التي ليس لها عواقب سيئة على المسلمين المستضعفين في كل العالم بسبب تشرذمهم.
  12. ما سبق يتعلق بالناحية القانونية الدولية، وبالناحية الشرعية الإسلامية (قانون شرعي)، وبالناحية السياسية. أما من الناحية الإعلامية فأنصح المسلمين بعدم الوقوف موقف الضعيف العاجز الذي يدافع عن نفسه في كل هجمة إعلامية غربية، فالهجوم أفضل وسيلة للدفاع، وواجبكم في كل موقف من هذا النوع تستغله فرنسا للهجوم على الإسلام والمسلمين أن تملؤوا النت بمنشورات باللغة الفرنسية تذكر فرنسا بتاريخها الإجرامي الموثق بالصور. وسخرية بفرنسا ورئيسها وزوجته ومجلة شارلي إيبدو تشابه رسومهم الساخرة، ويجب على كلابهم التي تجهل القانون الدولي ولا تمتلك الحد الأخلاقي الأدنى في احترام الأديان أن يتقبلوا حريتنا في الرأي بصدر رحب!!
  13. الفقرة السابقة تتعلق بعلم الإعلام، أما من الناحية الشرعية الإعلامية، فنفترض أن ما قام به الشيشاني هو جريمة شرعية (نفترض جدلاً، فقد سبق أنه لا يمكن وصفه بحل أو بحرمة)، ونفترض أن العالم الإسلامي كتلة واحدة وأننا مسؤولون عما فعله هو (ومعلوم أن هذا غير حاصل أبداً حالياً)، ونفترض أن ديننا يحملنا مسؤولية فعله (وقد سبق أننا لا نتحمل مسؤولية جرائم مواطنينا خارج الحدود من الناحية الشرعية كما سبق). فالسياسة الإعلامية الإسلامية هي التي نزلت بعد غفلة سرية عبد الله بن جحش عن الأشهر الحرم، فشن مشركو مكة حملة شعواء على المسلمين أنهم انتهكوا الأشهر الحرم، فقد قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} [البقرة: 217]. فلو فرضنا أن فعله إجرامي فنحن نعترف بذلك، لكن تتمة الآية تخاطب مشركي مكة، ونخاطب بها الشعب الأوروبي اليوم: {وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}. فقال الصحابة رضي الله عنهم: هذه الآية رفعت الوزر عنهم بسبب ما فعلوا، لكن ليس لهم أجر. فجاءت الآية التالية لتدافع عنهم وتقول: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218]. ونحن لا نعلم شيئاً عن الطالب الشيشاني لنعلم نيته فيما فعل لنحكم على فعله بحِلّ أو حُرمَة.
  14. كل ما سبق على فرض أن ما وصلنا من وقائع الحادثة صحيحاً، ولم تكن المخابرات الفرنسية هي التي قتلت المعلم لشن حملة إعلامية ضد المسلمين لتحفظ ماء وجه ماكرون، ففي زماننا لم يعد ما نراه مطابقاً لما يحصل، ولم نعد نرى ما يحصل حقيقة.
  15. أخيراً: يجب التذكير بأن المسلمين ساميون، وتصريحات ماكرون هي معادية للسامية، ويجب رفع دعاوى قضائية داخل فرنسا تحت هذا البند على ماكرون…

وعليه فتقيدنا بعبارة “الأصل في الأفعال التقيد بالشرع” يوجب علينا أن نتقيد به سياسياً وقانونياً وإعلامياً بأحكام الشرع، فنضبط تصريحاتنا ومنشوراتنا ومواقفنا وصمتنا وكلامنا وووو كل شيء، لا أن نستعجل إطلاق الأحكام ونعممها…

والله أعلم

اكتب رداً