ثم دخلت سنة 1432هـ الموافقة لعام 2011م:
وفيها حدثت حوادث عظيمة جداً، فقد سبق أن بينا أن تلك الحقبة كانت شبيهة بحقبة دول الملوك والطوائف، فكانت الطوائف تحكم بلاد الشام والعراق، والعسكر يتسلطون على حكم إفريقيا، والملوك يحكمون الجزيرة العربية. فسعى المسلمون في إزالة أولئك المتسلطين ولم يفكروا في تسويد الصالحين، وكان علماء ذلك الزمان قليلون يعز العثور عليهم، ومع ذلك فقد اختلف الناس على علمائهم ولم يبحثوا عنهم، وتفرقوا إلى جماعات وتحزبات ما أنزل الله بها من سلطان. وتحيز بعض أهل النفاق من المتعالمين للظلمة والزنادقة والباطنية، ومن في ظاهرهم الصلاح نأوا بأنفسهم عن الصدع بشرع وبالحق فلم يعد لهم صوت ولا ذكر، بعد أن كان صيتهم يملأ الآفاق.
وكان أعظم تلك الحوادث ما أصاب بلاد الشام العامرة التي دمرها القرامطة المتأخرون من النصيرية والروافض وساعدتهم ممالك الصليب سراً، فسفكوا فيها الدماء وانتهكوا الحرمات بما يفوق ما فعله المغول قديماً، ويفوق ما فعلته عساكر الصليبيين في العراق، فقتل واختفى مئات آلاف المسلمين ممن يصعب حصرهم وعدهم.
وزاد من مصيبة الناس تفرقهم على جماعات وأحزاب، حتى إذا ملكت الجماعةُ القوةَ تعاظمت في عين نفسها، فتكلمت باسم جميع مسلمي الأرض، وظنت أنها تستطيع أن تقيم ملاك الدين وحدها، وجعلت ذلك على عاتقها، فأهلكت نفسها وغيرها من المسلمين، حتى إذا اندثرت تلك الجماعة قامت جماعة غيرها على ذات الصورة إلى حين اندثارها، فيذكرنا ذلك بحديث “الشرطة” الذي ورد في حديث صحيح مسلم. فكان ميزان القوة هو الحاكم عليهم، ولسان الجهل هو الظاهر.
فأدى هذا التفرق إلى ظهور الخوارج لعنهم الله، ففعلوا بالمسلمين ما عجز الباطنيون والصليبيون عن فعله، حتى قيض الله للمسلمين أن يرجعوا لرأي علمائهم فيهم، فاتحدوا في قتالهم وقاموا عليهم قومة رجل واحد، فكسر الله شوكتهم، وأضعف منعتهم، وجعلهم شذراً مذراً كما كانوا من قبل.
وبقي المسلمون على هذا الحال عدة سنوات حصل فيها من الفظائع ما تشيب له الولدان.
لكن الله ثبت فيها المخلصين على الثغور أيما ثبات، فأنكوا في العدو وأثخنوا فيه، وأبطل الله حيل العدو ومكره الواحد تلو الآخر، وإن مكرهم لتزول منه الجبال الرواسي وتشيب له الولدان، وسطر المجاهدون الصادقون المخلصون من الملاحم ما تضيق به الصحائف. فقد روي لنا من قصص البطولة ما لا نجد في زماننا وقتاً لكتابته مع سعة وقتنا وفسحته، فاستوجب ذلك على من يجد وقتاً وقدرة أن يكتب ما عرف من تلك البطولات التي عز عبر الأزمان أن يحصل مثلها.
فتعلموا من الدماء في بضع سنوات أضعاف ما يتعلمه الواحد في الكتب في عشرات السنوات، فاتفقت كلمتهم، وانتظمت أمورهم، وعرف كل واحد منهم حقه ومستحقه، فملكوا من قوة الإيمان والعلم ما لو وقفت في وجههم قوى الأرض قاطبة لغلبوها وقصموها، فحرروا الأقصى من دنس أحفاد القردة والخنازير، وردوا الصليبيين عن بلادهم كما سيأتي في موضعه بإذن الله.
وهذا يستوجب منا شكر الله على نعمائه وفضله التي أنعم الله بها علينا بوحدة صفوف المسلمين في زماننا هذا، وسؤدد الشريعة على الناس قاطبة، حتى عرف كل إنسان حقه ومستحقه. فإن ما نحن فيه من هذه النعماء والبركة والخير العميم هو من فضائل وثمار الدماء التي أريقت في زمانهم في سبيل الله وطلباً لإعلاء كلمة الله.
فاستوجب هذا منا تذكر عميم فضلهم، وفوق هذا عميم فضل الله وكرمه علينا أن أثمرت جهودهم وآتت أكلها.
كما يستوجب منا أيضاً أن نعتبر ونتعظ بما حصل في غابر الأزمان وبزواجر كتاب الله عن أن يصيبنا ما أصابهم أعاذنا الله وإياكم، فنحافظ على نعمة الإيمان والإسلام التي نعيشها اليوم ألا تزول، فالعاقل من اتعظ بغيره.
والله المستعان.
One Response