تفسير النص القرآني بين البانوراما والفيديو كليب!!

يقول أحمد خيري العمري في كتابه البوصلة القرآنية صـ 231 – 233: “لكي نفهم… علينا أن نخلع رؤوسنا وما تراكم من مفاهيم عبر عصور الانحطاط والاستبداد عن الإيمان أو العمل الصالح… كل ذلك يجب أن يمسح. وبعد أن نمسحه علينا أن نتذكر عدة أشياء: أولها: أن معظم هذه الاستشهادات [الإيمان والعمل الصالح] مكية النزول، عندما كان المؤمنون في أشد حالات الاضطهادات والتنكيل… وكان إعطاء إيمانهم بعداً عملياً عبر ربطه وتلازمه بالعمل الصالح يمثل تفسيراً وتوضيحاً لماهية الإيمان الحقيقي، أكثر مما يمثل رفعاً وتوقيراً للعمل الصالح: كان الربط… يحتل ارتباطاً مصيرياً بين المفهومين: الإيمان والعمل الصالح. ثانيها: كان مفهوم العمل الصالح الملتحم بالإيمان كان جديداً تماماً، ومفتوحاً لكل الاحتمالات.. وكانت الصيغة الجماعية للاقتران التي تكررت 50 مرة عبر الخطاب القرآني تمنح بعداً اجتماعياً للإيمان كما للعمل الصالح… لتتوهج فيه معان أخرى: اجتماعية دوماً. ثالثها: كل صيغ الاقتران والالتحام بين الإيمان والعمل الصالح كانت تعطي مردوداً إنعكاسياً إيجابياً لهذا الترابط… ولو كان على مدى بعيد جداً: في الآخرة مثلاً، بأن الأجر لا يضيع، ولو بعد حين، وأن العمل الصالح يبقى له أثره. كان هذا الفهم مختلفاً جداً عن مفاهيم العمل الذي يبعث على الفخر في الجاهلية، والذي كان غالباً ما يكون عابراً، آنياً، مثل النحر للضيوف، وحماية المستجير، والثأر للشرف، وقتياً متلائماً مع طبيعة الحياة العابرة للبدوي… رابعها:… تفاصيل هذا الثواب الأخروي… فالجنة وثمارها وأشجارها كلها تركز صورة مجتمع زراعي مختلف أشد الاختلاف عن مجتمع الرعي والتجارة البدائية… ويورث المؤمن تقديراً واقتداء بمجتمع مستقر يحترم العمل… هذه النقاط الأربعة المرتبطة بالاقتران المتكرر بين الإيمان والعمل الصالح توضح… كيف استطاع الخطاب القرآني تحويل (العمل) فيها من مكانته المحتقرة عند عرب الجاهلية إلى (قيمة موجبة) في علاقة الفرد بالمجتمع، وعلاقته بالله سبحانه وتعالى… لكن هذا الاقتران لم يكن كل هذه الكيفية بل كان فقط جزءاً منها، والرؤية البانورامية لاستعمالات مفردة العمل في الخطاب القرآني تلقي بالضوء على المزيد من هذه الكيفية”.
ولدى التعمق في هذا الكلام سنجد ما يلي:

  • انتهى المؤلف من مسح الجاهلية، ويريد هنا أن يمسح كل علوم الإسلام، فلعله يريد أن يبدأ من بدء الخليقة!!
  • هكذا يريد منا أن نمسح كل العلوم السابقة كاملة دون استثناء: نمسحها بمزيل طلاء الأظافر، أو بقلم تصحيح، أو فلنقل: ضغطنا زر المسح في لوحة المفاتيح وأزلنا كل المعلومات الموجودة في عقولنا!!
  • المؤلف هو نموذج لدكتاتورية فكرية عجيبة لم أر لها نظيراً!! فلا حوار، ولا مناظرة علمية، ولا أدلة وبراهين، ولا ردود على آراء المخالفين!! هكذا بكل بساطة “يجب أن يمسح”!! إن شاء الله، نحن بأمرك ورهن إشارتك في التدمير والتخريب!!
  • الحوارات والمناظرات والمناقشات واختلاف الآراء في تراثنا هو مظهر حضاري عظيم نفخر به، والمؤلف يريد أن يمسحه لنتبعه دون تفكير.
  • ادعاء أن معظمها مكية لم يثبته المؤلف. ولو فرضنا صحته، فهي ليست كلها ولا جميعها، وهذا يقتضي فساد الحصر الذي قام به المؤلف في النتيجة.
  • يركز المؤلف كثيراً على ربط الآية بتاريخها هل هي مكية أم مدنية، وهذا شيء جيد لو قدمه بشكل صحيح ودقيق دون عبث وتحريف. ولكنه يتغافل تماماً عن ربط الآية بما قبلها وما بعدها؛ لأن هذا الربط يفسد عليه استنتاجاته الواهية وينسفها.
  • لقد فرغت ذهني من كل ما مضى، ووجدت أن المؤلف لم يشرح العمل الصالح، وبالتالي لم أفهم معنى الإيمان الذي يوضحه العمل الصالح.
  • التكرار 50 مرة لاقتران الإيمان بالعمل الصالح كان معظمه مكياً سابقاً (لو صح ذلك)، ثم أصبحت في ثانياً كلها مكية في المجتمع الجاهلي، وكأن القرآن كله نزل في مكة.
  • إذا كان المفهوم مفتوح على كل الاحتمالات كما قال المؤلف، فما وجه تخصيصها بالبعد الاجتماعي دون غيره؟!! وهل التكرار يعني أنه اجتماعي؟!
  • ما الدليل على هذا التقييد، فإما أن يترك الإيمان مطلقاً دون قيد مهما كان، كما أنه أطلق التوحيد وأطلق الله!! وإما أن يقيده بما قيده الحديث في أركان الإيمان مثلاً، ولا معنى للتقييد المزاجي!!
  • قال المؤلف: “تمنح بعداً اجتماعياً”، وهذا الكلام يعني بالتضمن وجود أبعاداً أخرى، ليقول في السطر التالي تماماً: “اجتماعية دوماً”.
  • أثر العمل الصالح ليس أُخروياً فقط كما يفترض المؤلف، ففي الحديث: “لَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ” [مسلم]، وحديث: “صنائع الْمَعْرُوف تَقِيّ مصَارِع السوء” [الطبراني الكبير]، فهذه كلها آثار دنوية، وبعضها آني.
  • ما ضابط الأثر الآني العابر حتى يمكننا تصور ما قاله المؤلف، هل هو الفخر والشرف اللحظي، أم الذي مدته عشر سنوات، أم كل ما هو دنيوي فهو آني، أم ماذا بالضبط؟!!
  • تصور العربي للجنة ذات الأشجار ربما يعيد لذهنه صورة الطائف، والعبيد الذين يعملون فيها، وهو ينظر إليهم في حالة استرخاء وكسل، كما قال المؤلف سابقاً عن الزراعة في الطائف!!
  • قياس الزراعة على الجنة هو من قياس البيض على الباذنجان!! وذلك من وجوه:
    1. الجنة حياة التنعم التي ليس فيها عمل البتة، بينما الدنيا مجتمع كله عمل وكد وعناء.
    2. الدنيا مجتمع، أما الجنة فقوانينها مختلفة تماماً عن قوانين الدنيا، فهناك تنعدم القوانين السياسية والاجتماعية و…، أو بتعبير أدق لا حاجة لها.
    3. الاشتراك في وجود الزرع في زراعة الدنيا وفي الجنة لا يلزم منه الاشتراك في استنتاج المؤلف، وهو العمل، بل على العكس، فموضع الشاهد غير مشترك بينهما، فما يتبادر لذهن السامع عن جنة الآخرة هو الخمول والكسل وعدم العمل والتنعم بزرع دون عمل، فهو يعمل الصالحات (وليس في الزراعة) في الدنيا المؤقتة، طمعاً في كسل دائم.
    4. هل هذا القياس يعني أن القرآن عندما يتحدث عن الحور العين فهو يحث الناس على التوجه إلى الاستثمار السياحي في المراقص والملاهي الليلية؟!
  • هذه الملابسات الأربعة التي لا علاقة لها باستدلالاته كما رأينا أصبحت مرتبطة بالاقتران، ويمنعك المؤلف من التفكير بالاقتران دونها، ثم هو يضيف تتمة للرؤية البانورامية خارج هذه الملابسات الأربعة.
  • حتى اللحظة لم يوضح المؤلف مقصوده بالعمل الصالح حتى اللحظة، فقد أغلق عيني القارئ وخلع رأسه ولا يزال يسحبه لوجهة مجهولة كل هذه الصفحات، فهل هو العمل الاجتماعي (زراعة، صناعة،…)، أم العمل الذي يبتغي به وجه الله في هذه الصنائع وغيرها؟!
  • التجارة العابرة والرعي عمل بلا خلاف، وبالتالي فنحن هنا أمام أحد أمرين: إما أن نعدها من العمل الصالح، فيبطل تهجم المؤلف عليهما، وينتفي وصفه لهما بعمل الخمول والكسل، وإما ألا نعدها من العمل الصالح، فنكون مجانبين للصواب وخارجين عن حديث: “لا تحقرن من المعروف شيئاً”.
  • حدد المؤلف علاقة الفرد بالإيمان بالله أنه إيمان تتوهج فيه معان اجتماعية دوماً، ولكنه لم يحدد حتى الآن تلك المعاني وكيف تتوهج؟! فهو يطلق عبارات غامضة يفسر بها الخطاب القرآني ثم لا يوضحها أبداً، فهل هذا ما يجب أن نفهم به القرآن؟!
  • الحقيقة أنها ليست رؤية بانورامية، لكنها فيديو كلب؛ ممتلئ بالأضواء الخاطفة، والصور المتتابعة غير المترابطة، واهتزاز في الصور يفقد التركيز… هكذا هي الأفكار في هذا الجزء من الكتاب!!

اكتب رداً