العربية بين يديك: المجلد الرابع: الدرس الثالث عشر: مسرحية القوي الأمين (المشهد الأول):

حجرة أبي بكر بها سرير لا يرتفع عن الأرض إلا قليلاً، ولها كوة تطل على المسجد النبوي الشريف. يُرفع الستار عن أبي بكر راقداً على فراشه، وعنده زوجته أسماء بنت عميس.
(يدخل الصبي محمد بن أبي بكر وهو يصيح)
 
الصبي: يا أمي؛ أين لعبتي يا أمي؟
أسماء (بصوت خافت): اسكت يا غلام، لا تُزعج أباك.
الصبي: أين وضعتِ لعبتي؟
أسماء: نعم.
الصبي: أ لأن أبي مريض تمتعينني من اللعب؟
أسماء: نعم.
الصبي: لن ألعب في البيت.. سألعب في الخارج.
أسماء: اسكت.. لا في البيت ولا في الخارج.
أبو بكر (يتحرك في سريره ويفتح عينيه): هل حضر عمر؟
أسماء: لا يا خليفة رسول الله، لم يحضر.
أبو بكر: مُحمّد؛ تعال. ادن مني يا بني. (يدنو الصبي منه فيقبله). مالي أراك تبكي؟
الصبي: أمي يا أبي أخذت لعبتي.
أبو بكر: أتُريد أن تلعب الآن؟
الصبي: نعم يا أبي.. في الخارج.
أبو بكر: أعطيه يا أسماء لعبته.
أسماء: سمعاً وطاعة يا خليفة رسول الله (تخرج مع الصبي ثم تعودُ). كيف تجدك الساعة؟
أبو بكر: الحمد لله!
صوت: يا آل أبي بكر! يا آل أبي بكر!
أسماء: هذا صوت عمر بن الخطاب.
أبو بكر: أجلسيني. (أسماء تعينه على الجلوس، وتضع الوسادة خلف ظهره). قولي له يدخل، ولا يدخلن أحد علينا حتى ينصرف عمر.
(تخرج أسماء ثم يدخل عمر)
عمر: السلام عليك يا خليفة رسول الله.
أبو بكر: وعليك السلام ورحمة الله. أين كنت يا ابن الخطاب، فقد افتقدتك منذ أمس؟
عمر: إن الله لا يستحيي من الحق. جاءتني تجارة من اليمن، فشغلتني عنك.
أبو بكر: فهل انتهيت منها اليوم؟
عمر: نعم؛ بعتها وربحت. كيف أنت اليوم يا أبا بكر؟
أبو بكر (يظهر الصبر كأنما عوفي من مرضه): الحمد لله، أجدني بارئاً يا ابن الخطاب.
عمر: الحمد لله.. قد ظننت أنها وعكة خفيفة وتزول.
أبو بكر: فلا تطل الغيبة عني أبا حفص.
عمر: لن أغيب عنك ما كنت بحاجة إلي.
أبو بكر: أنا في حاجة إليك في كل حين. لقد فكرت في أمري هذا الصباح، وقد قمت بأعمال لا أدري ما مكانها عند الله، فهل لك أن تذاكرني فيها يا عمر؟
عمر: حُبّاً وكرامة يا أبا بكر.
أبو بكر: الفيء الذي كنت أقسمه بين المسلمين على السواء، لا أميز فيه أحداً منهم على أحد، فما رأيك اليوم في ذلك؟
عمر: رأيي اليوم كرأيي أمس.. لا يستوي السابقون إلى الإسلام والمتخلفون. والله لا أجعل من قاتل رسول الله كمن قاتل معه.
أبو بكر: يا ابن الخطاب؛ إن السابقين إنما أسلموا لله ولهم أجرهم، يوفيهم ذلك يوم القيامة، وإنما هذه الدنيا بلاغ.
عمر: يا أبا بكر؛ إنك سألتني رأيي، فهذا رأيي.
أبو بكر: صدقت، فماذا ترى في خالد بن الوليد؟
عمر: إنك لتعرف رأيي فيه.
أبو بكر: إني أنزلتك منزلة نفسي يا أبا حفص، فإذا راجعتني، فكأنما راجعت نفسي، وحق على من يلي أمور الناس أن يراجع نفسه دائماً ويحاسبها.
عمر: يا خليفة رسول الله؛ إن ابن الوليد لسيف من سيوف الله، كما نعته بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه لا يصلح أن يكون أميراً على المسلمين وفيهم أبو عبيدة وأمثاله.
أبو بكر: طب نفساً يا أبا حفص، فبحسبي هذا منك.
عمر: ماذا تعني؟
أبو بكر: لقد قصدت امتحانك يا ابن الخطاب، فوجدتُك كما عهدتك صريحاً، لا تُداهن.
عمر: وما أردت بذلك يا أبا بكر؟
أبو بكر: أردت بذلك استخلافك يا عمر.
عمر: لا تفعل يا أبا بكر.. لا حاجة لي فيها.
أبو بكر: لكن لها بك حاجة يا عمر.
عمر: فاستخلف أحداً غيري يا أبا بكر.
أبو بكر: من أستخلف؟
عمر: استخلف أبا عبيدة، فهو أمين هذه الأمة.
أبو بكر: قد فكرت فيه يا ابن الخطاب، ولكني لم أجد فيه القوة التي عندك. إنه أمين، ولكني أريد القوي الأمين.
عمر: الله متم نوره، ولو كره الكافرون.
أبو بكر: إنما يتم الله نوره يا عُمر بعباده الصالحين المجاهدين المخلصين.
عمر: يا خليفة رسول الله؛ كيف تستخلفني، وأنت تعلم أني أخالفك في تقسيم الفيء، وفي خالد بن الوليد، وفي غزو أهل الردة، بعد أن ثابوا إلى إسلامهم، وفي أمور غيرها كثيرة؟
أبو بكر: ويحك يا عمر؛ إن هذا ليدفعني إلى استخلافك أكثَرَ ممّا يثنيني عنه.. إني أريد رجلاً، إذا قال: نعم، قالها بملء فيه، وإذا قال: لا، قالها بملء فيه: وأنت هو يا عمر.
عمر: رويدك يا أبا بكر، إني أخشى على نفسي، وعلى ديني وآخرتي.
أبو بكر: إن هذا الأمر ليهلك فيه اثنان يا عُمَرُ: رجل يطمع في الخلافة، وهو يعلم أن غيره أحق بها، وأقدر عليها منه، ورجل يأباها إذا عُرضت عليه، وهو يعلم أنه أصلح الناس لها وأقدرهم عليها، تهرباً من حمل التبعة، وضناً بكفايته أن يبذلها في خدمة الناس.
عمر: يا أبا بكر؛ أرجوك أن ترحمني من الحساب العسير يوم القيامة.
أبو بكر: ويحك يا عمر؛ إن الإمام العادل لمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
عمر (يبكي): ومن لي يا أبا بكر بذلك؟ من لي بذلك؟ من لي بذلك؟
أبو بكر: الله لك بذلك يا عمر، الله لك بذلك، الله لك بذلك!
عمر: يا أبا بكر؛ إنك غداً لن تغني عني من الله شيئاً.
أبو بكر: نشدتك بالله الذي يعلم ما في نفسك يا عُمر، هل تعلم في المسلمين من هو أصلح لها منك؟
عمر: في المسلمين من هو أفضل مني يا أبا بكر.
أبو بكر: ولكن أنت أولى بها عندي يا أبا حفص.
عمر: ألا تستشير المسلمين في ذلك أولاً يا أبا بكر؟
أبو بكر: سأفعل يا أبا حفص. لقد كُفيت العقبة الكبرى، فكل شيء بعدها هين سهل بإذن الله.
(بتصرف من مسرحية القوي الأمين لعلي أحمد باكثير).

2 Responses

اكتب رداً