مفرزة الأمن على سطح مشفى التوليد في حلب!!!

تعودنا في حلب أن نصبح ونمسي عند أجهزة الأمن والمخابرات،
وإذا قدمنا على طلب توظيف فيجب أن تستضيفنا كل فروع الأمن…
وفي ذات يوم اتصل شخص وقال إنه صديق عمي، ويريد التعرف علي، واسمه: جاسم أبو محمد. وأخبرني أن العنوان في مشفى التوليد..
كان هذا بعد أحد طلبات التوظيف في جامعة حلب قبل الثورة بثلاث سنوات.
ذهبت إلى المشفى وسألت عن الرجل فقالوا لي:
إنه على السطح!!!
فاتصلت بأخي وقلت له:
أنا في مشفى التوليد في مقابلة مع موظف الأمن العسكري، ولا تخبر والدي ووالدتي إلى حين عودتي حياً أو ميتاً.
وقد أخبرت أخي لتعلم أسرتي من هو غريمي، فقد تبادر إلى ذهني أنهم سيلقونني من الأعلى ويقيدوا الحادثة ضد مجهول!!!
صعدت إلى الطابق الأخير بالمصعد، وسألت عن الطريق إلى السطح، فسألني الممرض عن سبب ذهابي إلى هناك، فقلت له:
إنني على موعد مع جاسم أبو محمد.
فأرشدني إلى الطريق، وعندما وصلت إلى أول الدرج رأيت ممرضة بلباس متهتك نازلة من الدرج!!!
وعندما رأتني ضحكت بمياعة وصياعة وأكملت طريقها!!!
في السطح رأيت غرفتين؛ في إحداهما مكتب، وفي الأخرى مهجع فيه تلفاز على قناة خلاعية، وبينهما دورة مياه ومطبخ صغير!!!
دخلت إلى المكتب فإذا به يحقق مع شخص كردي تقدم بوظيفة في الجامعة، وهذا دفعني للتقصي فوجدت أن الأكراد وأصحاب التوجه الإسلامي هم شركاء في التضييق والملاحقات الأمنية، فإذا اجتمع الاتجاه الإسلامي والأصل الكردي في شخص واحد فمصيبته مصيبتان!!!
خرج الأخ الكردي الذي لا أعرفه، فقام جاسم من خلف الطاولة وجلس أمامي!!!
استغرق اللقاء قرابة أربع ساعات!!!
تضمن اللقاء حوارات كثيرة لا أذكرها، ولكن المحورين اللذين لا أنساهما:
1- قوله: مجتمعنا متعدد الطوائف، فلا يصح أن يكون المظهر العام للدولة الإسلام، فهذا سيثير المجتمع ويسبب فتنة.
فقطعت الاستطراد في هذا الموضوع بقولي:
الدستور ينص على أن دين الدولة الإسلام، وأنا أحترم الدستور.
ففهم الرسالة وتحول إلى موضوع آخر.
2- قوله: لقد أخطأ كثيراً السيد الرئيس عندما قرر فتح كلية الشريعة في حلب، فهذا سيتسبب في انتشار الفكر المتشدد، ونحن في كل الأجهزة الأمنية تفاجأنا بهذا القرار!!!
فأجبته بأن عدم معرفة الناس بالإسلام هي التي تسبب التشدد، ويجعلهم لا يميزون بين البغي على الحاكم والخروج على المسلمين وجهاد الكافرين، ولا يميزون بين الكافر الذي يجب قتاله والكافر الذي لا يجوز قتاله.
فتشدد الناس سببه الجهل وليس سببه العلم.
ثم من المؤكد أن الرئيس استشار واستخار قبل القرار، وقراراته كلها حكيمة فلا توصف بالخطأ.
فابتسم ابتسامة ذئب؛ لأنه يعلم أنني امنعه بكلامي هذا من انتقاد القرار!!!
فقال:
وهل تنظر أنت لليهود والنصارى على أنهم كفار؟!!!
فقلت له:
وكيف ينظرون هم إلينا؟!!! هم يقولون عنا كفار لأننا لا نؤمن بألوهية المسيح!!!
كل إنسان حر باعتقاده بحق الآخر، لكن المهم ألا يقتله بسبب هذا الاعتقاد.
فقال:
كيف يكفره ولا يقتله؟!!!
فقلت له:
يوجد ضوابط وأحكام للقتال وعدمه، فمن ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ قَتَلَ مُعَاهَداً لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإنَّ رِيحَهَا يُوْجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامَاً».
فالمسلم الذي يحب الإسلام وهو جاهل لا يعرف هذا الحديث فسيقتل كل نصراني بسبب جهله!!!
فيجب تعميم التعليم الشرعي…
قفز وأحضر ورقة وكتب الحديث، ثم عاد إلى قرار افتتاح كلية الشريعة فقال:
هذا القرار سيضعف إمكانية ارتباطنا بالاتحاد الأوروبي.
فقلت:
لا أفهم في السياسة ولا أتدخل بها، لكن لا أظن أوروبا تهتم بذلك، فالجامعات الأوروبية تدرس الدين الإسلامي، والدكتور محمود العكام تخرج من السوربون.
انتقل بعدها إلى ما أحدثته المدارس الشرعية في حلب من نشر للجهل، ووجوب إغلاقها لإيقاف هذا الجهل والتجهيل.
فقلت له:
الخطأ في شيء يستوجب تصحيحه وليس إغلاقه، وإلا وجب إغلاق كل مؤسسات الدولة لأن بعض الموظفين يرتشي.
فانتقل بعد ذلك إلى موضوع الفساد وكيفية علاجه، فقلت إن المسؤولية مشتركة بين المواطن والدولة، لكنني أعلم في قرارة نفسي أن الدولة تسيير في عملية إفساد منظم.
واكتشفت فيما بعد أن الهدف من افتتاح كلية الشريعة في حلب هو إغلاق المدارس الشرعية في عموم سوريا، وهو ما ختم به هذا الموضوع.
وهذا ما سأتطرق له في مقال لاحق.

اكتب رداً