لم تكن العودة من مكتب وزير الأوقاف إلى مطار دمشق مباشرة،
فقد خرج بي أحمد عيسى لينهي بعض معاملاته، ثم ذهبنا لتناول الغداء والعشاء قريباً من المغرب…
كان ذلك في مطعم ممتلئ بالكميرات بشكل غريب، وكأنه بنك أو محل صرافة!!!
وبالصدفة جاء فواز العجوز إلى ذات المطعم وفي ذات التوقيت الذي نحن دخلنا فيه المطعم…
ويا سبحان الله؛ فلم تتوقف معجزات المخابرات الجوية عند هذا الحد، فقد جاء موظف المخابرات أيضاً قبل أن نطلب الطعام..
وكلاهما جاءا بطريقة توحي أن مجيئهما كان بالصدفة!!!
استأذنت منهم لأداء الصلاة وصعدت للعلية وأخذت نظرة أدق على المكان وصليت وقضيت حاجتي ثم رجعت…
عفويتي في الحديث دفعتهم لافتعال هذه الجلسة الودية!!!
كانوا يتحاورون فيما بينهم، وأنا ساكت أراقب حوارهم بدقة، وكل واحد منهم يستثيرني بين الفينة والأخرى بسؤال عرضي، وأنا أجيبهم بذات الأجوبة السابقة…
جاء الطعام وبدأ اختبار إقبالي على الطعام وتعلقي به!!!
انتهينا من الطعام وبدأ برنامج الكميرا الخفية!!!
فقد كانا أنا وأحمد عيسى على زاويتين متعاكستين على الطاولة، وفواز العجوز وموظف المخابرات على زاويتين متعاكستين، وبدأ حوار فواز والمخبر عن السلاح، وأصبحوا يتبادلون المسدسات والرصاص على الطاولة!!!
فهمت جزءاً من اللعبة، فاسترخيت وسكت تماماً وأظهرت عدم اهتمامي أبداً بما يحصل، ثم التفت إلى أحمد عيسى وقلت:
لم أر سلاحاً في حياتي إلا في الأفلام، فهل كنت تتصور شيخ أحمد أن تجلس على طاولة يتم اللعب بالأسلحة عليها؟!!!
احمر وجهه لدرجة كبيرة حتى ظهر ذلك على وجهه الأسمر، فلعله فهم شيئاً لو كان في رأسه مثقال ذرة من عقل!!!
فهم يريدون تصوير الفيلم وبثه لاتهامي بالعمل في تجارة الأسلحة، ثم رأوا أن ذلك سيعمل لي دعاية هم في غنى عنها!!!
خرجنا إلى المطار في سيارة موظف المخابرات الجوية الفارهة بعد المغرب، وكان يسير مثل الصاروخ على طريق المطار السريع، والذعر ظاهر على وجهه.
وفي الطريق قال لي:
تصور لو أنهم الآن ضربوا سيارتي بأر بي جي، فستموت أنت، وسيموت تاجر بريء، وشيخ صالح (يقصد أحمد عيسى)، فماذا سيستفيدون من قتلي؟!!
فقلت له:
الأرواح بيد الله…
وفي المطار كان انتظارنا للطائرة عند رئيس مفرزة الأمن الجوي في مطار دمشق، دخلوا في حوارات كثيرة من نفس الأسطوانة والمعزوفة الموسيقية الأسدية، وأنا ساكت لا أتكلم، فقال رئيس المفرزة:
لماذا لا تتكلم يا شيخ؟!! هذه قضايا شرعية أنت من يجب أن يحكم فيها، فما رأيك؟
فقلت:
ما حصل قنبلة ذرية سببها انفجار ذرة صغيرة، فمن يملك القوة ويستطيع إيقاف أو تأخير ما يحصل فليفعل، والعاقل الذي يهرب بنفسه من هذه القنبلة!!!
وهي رسالة واضحة مني لهم بالانشقاق لو كانوا عاقلين!!!
فقال لي رئيس المفرزة:
ألا تظن أن الأمور سترجع كما كانت أو تتحسن؟!!!
فقلت:
مستحيل!!!
عاد معنا فواز العجوز على ذات الطائرة، وجلس بجانبي، وقال لي:
أراك متشائماً جداً، وسكوتك يخفي حزناً عميقاً جداً!!!
فقلت له:
ما قلته يكفي في النصيحة، لكن بعض الناس لا يصدقون النُصح حتى يروا بأعينهم نتيجة ما نعظهم به، أنا أبرأت ذمتي أمام الله…
في مطار حلب رفض فواز العجوز إدخال حقيبته إلى جهاز التفتيش، وهمس في أذن الموظف، ثم دخلوا إلى مفرزة المطار، وهناك فتحوا الحقيبة ولمحت طرف سلاح فيها، وكان وزنها وصعوبة حمله لها يوحي بأنها كلها أسلحة!!!
وانتهى فيلم المخابرات الجوية في دمشق، وقريباً فيلم الأمن العسكري في حلب.