أصحاب الفكر السامي

جميل أن تعيش في مجتمع كله عباقرة ، لكنهم جميعاً أغبياء . ولو كانوا عباقرة بالفعل لما ظنوا في أنفسهم الذكاء ، لأن الذكي من أهم صفاته التواضع . تجلس أمامهم فلا ينبسون ببنت شفة ، ثم تغيب عنهم فيسفهون فكرك وعقلك وفعلك .

فهل هم عباقرة أم منافقون ؟!!

هم لا يعلمون عن حالك شيئاً ؛ لأنهم بعيدون عنك بعد ما بين المشرق والمغرب ، فبأي وجه حق يحكمون وهم لا يعلمون ؟! فهم كالقاضي الجاهل الذي يحكم ظلماً !!

عندما تطلبهم لا تجدهم ، ولا تدري لماذا لا يلبونك ؟! هل هو الخجل أم الجبن ؟! فمم يخافون ؟! وهل مجابهة الحجة بالحجة تهديد بالقتل أم إشهار للسلاح ؟!

أم هو الحياء لا سمح الله ؟! لأن الحياء يستند إلى نصوص الشرع ، وهم ليس للشرع في حياتهم نصيب إلا الحفلات والمظاهر التي لا أصل لها في ميزان الشرع .

فهل هو الذكاء ؟! أم النفاق ؟! أم الجهل ؟! أم الخجل ؟! أم الجبن ؟! أم الحياء ؟!

وعندما تطلب منهم عدم التدخل في شأنك يقحمون أنفسهم في حياتك إقحاماً . فلعل تسلق البيوت من الأسطحة والشبابيك له متعة ولذة خاصة تفوق الدخول إليها من أبوابها باستئذان !!

فهل هم عباقرة ؟! أم منافقون ؟! أم جهلة ؟! أم خجولون ؟! أم جبناء ؟! أم حييون ؟! أم فضوليون ؟!

أياً كانوا ؛ فلا فرق بين تلك المصطلحات في رأس الجاهل ، وبالأخص إن كان جهله جهلاً مطبقاً مركباً ، فالإنسان في هذا المجتمع ـ مع سوء الحالة التي وصل إليها ـ يشعر بالنشوة ؛ لأنه الأعظم والأفضل والأذكى والأرقى .

والحقيقة التي لا مفر منها أن ذلك الجاهل هو الأكثر سعادة بين أقرانه ، لأنه يتهرب من مسؤولياته ، ولا يحمل هماً ، ويرمي فشله وأخطاءه على عاتق الآخرين من حوله .

هذه هي المشكلة !!

وما أبرع الكتاب في عرض المصائب والكوارث . ولكن ما هو الحل ؟!

وهل يعقل أن تكون صورة المجتمع كاملة بهذه السوداوية ؟!!

أما صورة المجتمع فيستحيل أن تكون كلها بهذه الصورة !! ولو كانت كذلك لكان كاتب المقال جزءاً منها !! ولما كتب كاتب أو ألف مؤلف !! ولما علَّم معلم !! ولما صَدَقَ إنسان !!

ليست صورة المجتمع بهذه السوداوية ؛ فما إن تتعمق في التركيبة الاجتماعية حتى تجد بذور الفضائل التي حفظ الله بها المسلمين ، وحفظ بها دينه القويم . وما أجملها من مشاهد تلك التي تراها في خبايا المجتمع ؛ تلك المشاهد التي يوازي كل واحد منها مجتمعاً بأسره :

تجلس في مجلس يجمع أصناف الناس وألوانهم ، وكل واحد منهم يفتي في علوم الطبيعة والشريعة ، وفي فقه الواقع والنص ، وأبرز عبارة ترن في أذنك ـ وأحياناً يؤثر وقعها في قلبك ـ هي عبارة : “ أنا رأيي … أنا رأيي … أنا رأيي ” . والمشهد الرائع الذي تلحظه هو هيئة واحد من بينهم عليه سمت العلم وأهله صامت لا ينبس ببنت شفة . لا يتكلم ، لكنه إن تكلم ـ بعد تأمل وتدبر لنقاش المناقشين وجدال المجادلين ـ كانت كلمته كالسهم الذي أصاب مرماه ، وكانت الفيصل بين الحق والباطل . وفيما عدا ذلك هو باقٍ على صمته يتأمل أسباب المشكلة وسبل علاجها .

عِلْمُ هذا الإنسان وعقله هو نبع العلوم والمعارف في مجتمعاتنا ، هو بذرة الْخُلُقِ الكريم إن اقتدينا نحن وأبناؤنا بعلمه وتواضعه وسمته . منه نتعلم كيف نصمت عندما تدفعنا جرأتنا على الكلام في حضرة الأعلم والأفقه فيما نتحدث فيه !! نتعلم كيف نستمع أكثر مما نتكلم !! نتعلم كيف نتكلم لنفيد الآخرين بكلامنا ، ولا نتكلم ليتعلموا أننا علماء !! نتعلم أننا غرقى في بحر الجهل مهما بلغنا من العلم !! نتعلم كيف نتعلم أكثر مما نتعالم على غيرنا !!

مشهد آخر لذلك البهلوان الذي يمشي على حبل دقيق في مجتمع يموج كما يموج البحر . يمشي وهو يخشى في كل حركة أن يسقط في فساد المجتمع ؛ من رشوة ، أو اختلاس ، أو ربى .. يخشى أن يسقط في الملذات التي تفور من حوله وتمور موراً ؛ لأن عيون الحولان من حوله تطمع بنظرة إليها من بصير .. يخشى أن يسقط في الترف الاجتماعي ؛ إذ لا يعقل ـ في أعراف العقول الإمعة ـ أن يكون لجاره الأمي سيارة مع أن راتب وظيفته لا يتجاوز كذا “ … ” ، وأنت صاحب الشهادات العالية التي كلفتك كذا وكذا تستخدم المواصلات العامة ، ولا يعقل أن تقيم ابنة عمة خالتك حفلة عرس لابنها في صالة كذا ، وهي ذات الوضع المادي الصعب ، وأنت تدعي العجز عن ذلك لابنك وفلذة كبدك و.. و.. . يخشى أن يسقط في ملهيات المجتمع ؛ لأن وقته محسوب عليه في الآخرة قبل الدنيا ، والآخرون يقيمون سهرات ليتفاخر النساء بـ “ ـالصحون الفرنسية ” التي يقدمونها ، وبجاههم ومكانتهم الاجتماعية والمادية والفكرية و.. و.. . يخشى أن يسقط في جحيم ضائقة مادية صعبة لا يطيقها لأنه يحيا في هذه الدنيا مستقيماً .

لا يقول الناس : من أين أتى فلان بماله وهو محدود الدخل ؟!! ولا : ما هو أصل تسمية “ الصحن الفرنسي ” بهذا الاسم ؟!! ولماذا لا يكون الأمريكي أو الإيطالي مدعاةً للفخر أكثر من الصحن الفرنسي ؟!! وهل يكون الفخر في هذه الدنيا أم في الآخرة ؟!! وهل يكون الفخر بالمال ، أم بالشهادات ، أم بالجاه والوظائف ، أم بالتأنق ، أم باللباقة في الحديث ، أم .. أم .. ؟!!

عندما أرى هذا الإنسان في ذلك المجتمع ، فلا أرى فيه بهلواناً ، ولكني أرى فيه مجاهداً .. أرى فيه مجاهداً بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى .. فقد جاهد نفسه حتى لا تنحدر ، وجاهد مع أسرته ليرقى بها ، وجاهد مع أبنائه لينقذهم من الانحطاط ، وجاهد مع مجتمعه ليحيه . هو في جهاد ما بقي على حبله ولم يسقط في المحيط .. هو في جهاد طالما لم يغرق مع الغارقين في سكرات الحياة .. هو في جهاد مع كل حبل نجاة يمده لغيره لينقذه من أمواج المحيط .. هو في جهاد كلما التقط حبله إنسان ونجا ..

هو في جهاد ؛ لذا فإنسان واحد كهذا يعدل أمماً بأسرها .. هو فوق حبله أعظم من الملايين المتلاطمة تحت الحبل تريد الفتك به .. مشهد هذا الإنسان يفوق مشهد ملايين الفارين من أوطانهم هرباً من الضائقة المادية والاجتماعية والفكرية و… سائر الضوائق الأخرى … والذي يعاشر الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي يعتزل الناس ولا يصبر على أذاهم .

هذا الإنسان له أجر سبعين من الصحابة # ، لأنه في عصرٍ القابضُ فيه على دينه كالقابض على الجمر . فهل نحن في مجتمع أم أننا في قعر جهنم ؟!! جنة الدنيا هي نار الآخرة ، ونار الدنيا هي جنة الآخرة ، وكأننا في عصر الدجال ، والدجال يسبقه دجالون ؟!!

مشهد آخر لإنسان صامت لا يتكلم .. لم ينعقد لسانه ، ولا يعجز عن التعبير ، فهو الفصيح المفوه الذي لا تقارعه حجة ، ولا تغلبه عبارة أو بيان . لكن الكلمة قد يكون ثمنها غالياً في المجتمع الذي ليس فيه للكلمة معنى ، ولا للمبدأ قيمة .. إن تكلم أشهر المجتمع كله سيوف لسانه وصوبها نحوه ؛ إذا نادى بترك الاختلاط اتهموه بتمزيق الأسرة وتفريق العائلة !! وإذا نادى بإرث المرأة اتهموه بتحويل أموال الأسرة إلى الأصهار !! وإذا نادى بإنصاف المظلوم أصبح في عرف الناس ينصره لمصلحة !! وأي مصلحة في نصرة إنسان معدم ، في مقابل حوت يلتهم كل من يحيط به من البشر ، والناس كلهم معه لأنه صاحب مال وجاه ومنافع ومصالح لا تعد ولا تحصى !!

هو صامت لأنه رأى بأم عينيه هوىً متبعاً ، ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه … لكنه إن طُلِبَ لشهادة حق ـ في محكمة ، أو مجلس أسرة ، أو بين شركاء ـ صدع بالحق ولا يبالي ، صدع بالحق في الوقائع فلم يمل مع طرف دون طرف لأي سبب كان ، وصدع بالحق في الشرائع فلم يحرم حلالاً أو يحل حراماً لأي سبب كان .

أفضل الجهاد كلمة حق أمام سلطان جائر .. فما بالنا أصبحنا نخاف من المجتمع الجائر أكثر من خوفنا من السلطان الجائر ؟!! أصبحنا منافقين بالوكالة ؛ نبيع آخرتنا بدنيا غيرنا .. نمارس النفاق على أمل أن يرضى الحبيب ـ قريباً كان أو بعيداً ـ أو أن يرضى صاحب المال أو الجاه .. ولن يرضى .. لن يرضى .. لن يرضى ؛ لأننا لم نبحث عن مرضاة الله .

ذلك المؤمن الذي لا تزلزله شدة ، ولا تذله مصلحة ، ولا تخضعه نزوة هو أعظم عند الله من كثير من الخلق ؛ لأنه رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره .

أصحاب تلك المشاهد هم مشاعل النور التي تنير لنا طرقاتنا ومجتمعاتنا ، وهم البركة التي يحفظنا الله بها من العذاب ، وهم الطائفة المنصورة التي بحفظ الله بها دينه في هذه الدنيا ، ولولاهم فعلى الدنيا السلام ، وكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : “ لولا ذكر الله وما والاه ، وأحبة يلتقط معهم طيب الحديث كما يلتقط طيب الثمر ، لكان أسفل الأرض أولى من أعلاها ” .

نحن في مدارج السالكين ، وكلما زاد إقبالنا على الله زاد إقبال الله علينا ، وهذا هو الحل !!

الحل أن نكون كأولئك الصديقين الذين صدقوا مع الله قبل أن يصدقوا مع الناس .. من أولئك الصالحين الذين أصلحوا أنفسهم قبل أن يتوجهوا لإصلاح الناس .. من أولئك المجاهدين الذين بذلوا جهدهم وما في وسعهم في طاعة الله وعصيان أنفسهم الأمارة بالسوء .. من أولئك الذين شهدوا لله بالوحدانية ، ولمحمد % بالرسالة ، وشهدوا أن الساعة حق ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق .. شهدوا فسلموا واستسلموا ، وخضعوا وانقادوا ، فكانت المصيبة لهم خيراً مع الصبر ، وكانت النعمة لهم خيراً مع الشكر .

الحل أن نكون كأولئك الذين انقادوا لله فسهل الله لهم أن يقودوا العالم إلى الخير والرشاد دون قيادة .. قادوا العالم دون قيادة ؛ لأنهم قواد في علاقتهم مع الله ومع الناس ، لا فرق في ذلك بين مستخدم ، ومهني ، وحرفي ، وموظف ، ومدير ، ووزير ، وعابد ، وعالم .. لا فرق بين وضيع ورفيع ، وغني وفقير .. كلهم قواد ؛ لأنهم انقادوا لله وخضعوا لعباد الله : {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} .

الحل أن نكون كأولئك القادة ، نعز حيث للعزة ميدانها ، ونخضع لمن يجب علينا أن نخضع له .

اكتب رداً