مقالة في جريدة الخليج الإماراتية ص 2
العدد 9476
بتاريخ 20/ 3/ 1426هـ
الموافق 9/ 4/ 2005م
يقول الله تعالى: { والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى } يقسم الله بشروق الشمس بعد ظلام الليل المطبق.. أقسم سبحانه بشروق الشمس أولاً ليعرف الإنسان عظمة الشروق بعد ظلام الليل الدامس.. أقسم بهما على أن انقطاع الوحي لم يكن هجراً له e ولا بغضاً، وإنما ليزداد تشوقه إليه.. أقسم بهما ليبين عظيم مكانته صلى الله عليه وسلم وقدره عنده سبحانه: { ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى } .. منزلتك في الآخرة ستكون أعظمَ من إكرام الدنيا بكثير، وإكرام الله لك دائم لا ينقطع؛ لا في الدنيا ولا في الآخرة.. ثواب وكرامة حتى يرضى صلى الله عليه وسلم؛ يذكرها سبحانه بشارة له صلى الله عليه وسلم، ويسوق لها الأدلة من نعم الدنيا التي أنعم الله عليه بها.
{ أ لم يجدك يتيماً فآوى } لم يكن يتيماً فحسب، بل حاز اليتم في أرقى درجاته. توفي والده صلى الله عليه وسلم وهو جنين في بطن أمه.. خرج إلى النور وأباه في عالم الآخرة، لتبدأ العناية الإلهية له من ساعة مولده صلى الله عليه وسلم. اليتم لغيره صلى الله عليه وسلم يعيني ذلاً في بيوت الناس، أو فقداً للحنان في الملاجئ وبيوت الأيتام. أما اليتم بالنسبة له صلى الله عليه وسلم فكان مختلفاً تماماً؛ كان حفظاً إلهياً من ساعة خروجه إلى الوجود.. كان انتقالاً من رعاية إلى رعاية، ومن عطف إلى عطف حتى شب رجلاً يعتمد على نفسه.
خرج مستفيداً من خبرات الحياة؛ ينتقل من بيت إلى بيت ومن بيئة إلى بيئة. فمن عطف الأم وحنانها، إلى بيئة البادية مع مرضعته حليمة. ومن رعي الغنم وحياة البادية، إلى عطف عبد المطلب زعيم قريش آنذاك. ومن كفالة جده، إلى رعاية عمه الفقير أبي طالب.. ينتقل بين المهن ويرى ألوان الحياة، ولا يعيش بعقلية والده وحدها.. لم ينشأ متأثراً بنظرة والده إلى الحياة، وإنما عاش نقياً صافياً؛ يتفكر فيما حوله حتى جاءه أمر الله، ونزل عليه وحي ربه.
جاء يتيماً يعاني شدة الحياة، ليتعود على شدة الدعوة في كبره.. كان يتيماً ليبقى صغيراً في عين نفسه، عظيماً في أعين الناس. ولم يكن عظيماً في نفسه أبداً، بل كان متواضعاً كريماً ليناً سمحاً حتى قبل نزول الوحي عليه، ليصدق فيه قوله تعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم } .
كان يتيماً، ولكن دون أي اضطراب في شخصيته كبقية الأيتام، فهو قد نال العطف كاملاً؛ من مرضعته، وأمه، وجده وعمه أبي طالب. زهدت فيه المرضعات، لأنه يتيمٌ ليس له أب يطمعن في عطاياه. ولم تجد حليمة رضيعاً غيره، فكانت البركة في مقدِمِه صلى الله عليه وسلم معها، فعادت منازلُ بني سعد مخضرة بعد إجداب، وعاد الدر إلى ضرع ناقتهم، وتبدل حالهم من حال إلى حال.. بركته عليهم زادت تعلقهم به صلى الله عليه وسلم، وزادت حبهم له.. وليكون ذلك تعويضاً له عن فقده لعاطفة الأبوة. يقول صلى الله عليه وسلم: « كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بَهْمٍ لنا -أي غنم يرعونها- ولم نأخذ معنا زاداً. فقلت: يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا. فانطلق أخي، ومكثت عند البهم. فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أ هو هو؟ قال الآخر: نعم. فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا، فشقا بطني ثم استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين. فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماءٍ ثَلْجٍ فغسل به جوفي، ثم قال: ائتني بماءٍ بَرَدٍ فغسل به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة فذرَّه في قلبي. ثم قال أحدهما لصاحبه: حُصْهُ -أي خِطْه- فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة. ثم قال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة واجعل ألفاً من أمته في كفة » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أنا أنظر إلى الألف من فوقي، أشفق أن يخر عليَّ بعضهم، فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم. ثم انطلقا وتركاني. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفرقت فرقاً شديداً -أي فزعت فزعاً شديداً- ثم انطلقت إلى أمي -أي مرضعتي- فأخبرتها بالذي لقيت، فأشفقت أن يكون قد التبس بي -أي خشيت أنه قد أصابه مس من الجن- فقالت: أعيذك بالله. فرحلَّت بعيراً لها فجعلتني على الرحل وركبت خلفي حتى بلغنا أمي. فقالت: أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت، فلم يرعها ذلك وقالت: إني رأيت حين خرج مني نوراً أضاءت منه قصور الشام » [أحمد/الشاميين (17196)- الدارمي/علامات النبوة (14)].
أربع سنوات قضاها في منازل بني سعد، ليعود بعدها إلى عاطفة الأمومة.. إلى أم تجد فيه ما يعوضها عن زوجها الذي فقدته، لتكون تلك المرحلة الثانية من مراحل العناية الإلهية.
ولما خرجت به إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه من بني النجار، أدركتها الوفاة في طريق عودتها. فانتقل إلى عطف جده عبد المطلب، وكان يتذكر فيه ولده الحبيب عبد الله. فبلغ حبه ودلاله له مبلغاً أنه كان يصحبه في مجالسه العامة، ويجلسه على فراشه بجوار الكعبة؛ فهو الحبيب بن الحبيب، وهو الذي تنطبق عليه أمارات النبوة التي أخبر عنها عالم الكتب الذي رآه في اليمن.
ثم ما لبث أن توفي جده وله صلى الله عليه وسلم من العمر ثمانِ سنوات، فكفله عمه أبو طالب، وكان فقيراً كثير العيال. لكن الرعاية الإلهية له صلى الله عليه وسلم جعلت عمه يعطف عليه ويفضله على عياله، حتى أنه لما بلغ اثنا عشر عاماً خرج به معه -دون باقي ولده- في أشياخ من قريش إلى الشام. فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب -وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت- وبينما هم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجع فصنع لهم طعاماً، فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل، قال: أرسلوا إليه. فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه. فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. ثم ناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه. ولم يزل يناشدهم حتى رده أبو طالب، وزوده الراهب من الكعك والزيت [الترمذي/المناقب (3620)].
هذا النبي الأمي اليتيم، ولو لم يكن يتيماً لآمن به أبوه، ثم كانت النبوة عصبية بين بني هاشم وبقية قريش، ولخرجت الدعوة عن مسارها الإسلامي الإيماني، ولكنها الحكمة الإلهية الربانية.. هذا هو النبي الأمي اليتيم.. { أ لم يجدك يتيماً فآوى } …
