المرأة المسلمة تقود الإمبراطورية الإسلامية !!!
لن أتناول الصورة التقليدية لدور المرأة، في كونها ربَّت وعلَّمت قادة الأمَّة وعظمائها، ولكنَّني سأتناول الدَّور المباشر للمرأة المسلمة في القرارات السياسيَّة والعسكريَّة لمؤسسة الخلافة الإسلاميَّة.
وهنا يتبادر إلى ذهن القارئ إشكالان:
الأول: في حكم قيادة المرأة: فمفهوم القيادة عند الناس هي السُّلطة والمنصب، وهذا غير صحيح في الفكر الإسلامي، فكلُّ مسلمٍ هو قائد ولو كان بوابًا أو عاملًا أو حارسًا أو سائقًا؛ لأنَّه يشارك في قيادة من حوله وتوجيههم للحق والخير؛ فكيف بالنّساء اللاتي كنَّ زوجاتٍ للخلفاء وقادة الجيش عبر التَّاريخ الإسلامي .
الثاني: سبب إطلاق مسمى الإمبراطوريَّة على الخلافة الإسلاميَّة: والسبب هو نظرة الغرب لمفهوم الدَّولة العظمى. فدولة الإسلام لا تقوم على التعاظم والتعالي والتجبر حتى تسمى إمبراطوريَّةً. ولكنَّها تقوم على التواضع والتشاور والتكامل والدَّعوة والإصلاح والبناء، ولهذا فهي خلافة لرسول الله في تطبيق العدالة والحريَّة التي قررتها الشريعة .
فلمَّا كان الغرب ينظر لعظمة الدَّولة الإسلاميَّة التي استمرت لقرون متعاقبة، ويحتقر المرأة المسلمة ويحتقر تشريعات الإسلام التي كانت جزءًا من هذه العظمة .
فناسب أن أَعْرِضَ الدَّولة الإسلاميَّة بالطَّريقة التي يفهمها الغرب، ثم أَعْرِضَ المكانة العظيمة للمرأة المسلمة في هذا البناء السياسي والعسكري العظيم لمؤسسة الخلافة، في مقابل المكانة شبه المعدومة للمرأة الغربية في إمبراطورياتهم المزعومة، تلك الإمبراطوريات التي لم يتجاوز عمرها قرنًا من الزَّمان.
تلك المكانة التي دفعت زوجات زعماء الغرب للخروج بالحجاب الكامل اقتداء بنساء المسلمين، كما تظهر زوجة قيصر النمسا في الصورة المرفقة بتاريخ 30/11/1916م.
وفي هذه المقالة سنعرض نماذج متعاقبةً عبر التَّاريخ تبين الدَّور المباشر للمرأة المسلمة في القرار السياسي والعسكري على حد سواء:
المرأة ما قبل الإسلام
النماذج التي ذكرها القرآن ليست من تاريخ أمتنا، ولكنَّها كانت مرجعيَّة لكلّ نساء المسلمين في عصور النَّهضة؛ كـ “امرأة عمران”، و”مريم ابنة عمران”، و”امرأة فرعون”، وشرع من قبلنا شرعٌ لنا إذا أقرته نصوص الشريعة.
ومن أوضح النَّماذج القديمة زوجة العزيز التي تعبر بوضوح عن المرأة التي تحولت من النَّظرة القاصرة الضيقة للمرأة المترفة اللاهية، إلى المرأة العاقلة المفكرة العالمة المؤثرة في غيرها، دون أن يتغير مستواها المادي والسياسي، فبيئتها المحيطة لم تتغير، ولكنَّها هي التي تغيرت وتحولت .
المرأة في العهد النبوي
غزوة أحد: عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَنّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ، فَجَعَلَ نِسَاءَهُ وَعَمَّتَهُ صَفِيَّةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي أُطُمٍ [بناء مرتفع] يُقَالُ لَهُ فَارِعٌ وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أُحُدٍ، فَرَقِي يَهُودِيُّ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى عَمَّتِهِ، فَقَالَتْ صَفِيَّةُ: يَا حَسَّانُ؛ ارْبُطِ السَّيْفَ عَلَى ذِرَاعِي. ثُمَّ تَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ حَتَّى قَتَلَتْهُ وَقَطَعَتْ رَأْسَهُ، ثم أَخَذَتْ الرَّأْسَ فَرَمَتْ بِهِ عَلَى الْيَهُودِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مُحَمَّداً لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ أَهْلَهُ خُلُوفاً لَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ، فَتَفَرَّقُوا وَذَهَبُوا [البزار مختصراً].
ولو لم تفعل ذلك لخسر المسلمون المعركة في أحدٍ وأبيدوا على يد اليهود في المدينة، لكنَّه القرار القيادي الحكيم في زمانه ومكانه الصحيح .
وفي يوم الحديبيَّة كان الصحابة ينتظرون دخول مكة فاتحين والعودة لديارهم، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا، فما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحدٌ قام فدخل على أمّ سلمة رضي الله عنها، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبيَّ الله؛ أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك؛ نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه. فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضهم حتى كاد يقتل بعضهم بعضا غماً [مصنف عبد الرزاق].
فهم لم ينفذوا الأمر النَّبويَّ لعل الوحي ينزل بالحرب بخلاف ما أمرهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فظهرت مشاركة المرأة في صياغة القرار في مشورة أم سلمة رضي الله عنها عندما ظنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ الصحابة عصوا أمره، وأدركت هي أنَّ في أنفسهم شيءٌ غير العصيان لأمر النَّبيّ.
وقبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بيوم شاركت زوجة الأسود العنسي المتنبئ في قتله، فقد قَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدّيْلَمِيّ وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ وَدَاذَوَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَبْنَاءِ؛ دَخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ سِرْبٍ صَنَعَتْهُ لَهُمْ امْرَأَته، فَوَجَدُوهُ سَكْرَانَ لَا يَعْقِلُ مِنْ الْخَمْرِ، فَخَبَطُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: ضَلّ نَبِيّ مَاتَ وَهُوَ سَكْرَانْ … وَالنّاسُ تَلْقَى جُلّهُمْ كَالذّبّانْ … النّورُ وَالنّارُ لَدَيْهِمْ سِيّانْ.
وَزَادَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ امْرَأَتَهُ سَقَتْهُ الْبَنْجَ فِي شَرَابِهِ تِلْكَ اللّيْلَةَ، وَهِيَ الّتِي احْتَفَرَتْ السّرْبَ لِلدّخُولِ عَلَيْهِ. وَكَانَ اغْتَصَبَهَا؛ لِأَنّهَا كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النّسَاءِ، وَكَانَتْ مُسْلِمَةً صَالِحَةً، وَكَانَتْ تُحَدّثُ عَنْهُ أَنّهُ لَا يَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَاسْمُهَا الْمَرْزُبَانَةُ [الروض الأنف].
المرأة في عهد الخلفاء الراشدين
لقد خرجت عائشة رضي الله عنها من المدينة إلى العراق لتحاول الإصلاح بين الصحابة رضي الله عنهم، وهي تظنُّ أنَّ المسلمين لن يردوا أمر أمهم. ولم تعلم أن هؤلاء أخلاط من أخلاق الفرس والروم لم يتغلغل الإيمان في قلوبهم بعد، فحاولوا قتلها رضي الله عنها برمي جملها بالنبال حتى صار كالقنفذ من كثرة ما أصابه من النبال.
فهي لم تقل: أنا امرأة لا يمكنني أن أصلح، ولم تقل: لن يسمع مني أحدٌ، ولا كذا وكذا. فهي فهمت معنى ما يجب على المسلم من المبادرة والمسارعة والإخلاص، والنتيجة ييسرها الله وليست من وظائفها هي .
المرأة في العهد الأموي
اعتصم عبد الله بن الزبير بمكة وبايعه أهل الحجاز وأهل العراق، وكان عظيم الشح فلذلك لم يتم أمره، فأرسل الحجاج إليه فحاصره بمكة ورمى الكعبة بالمنجنيق، وحاربه وخذله أهله وأصحابه، فدخل على أمّه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وقال لها: يا أماه؛ قد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي، ولم يبق معي إلا اليسير ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا، فما رأيك؟
فقالت: أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن قتل معك، وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين. كم خلودك في الدنيا؟!! القتل أحسن.
فقال: يا أماه؛ أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني.
قالت: يا بني؛ إن الشاة لا تتألم بالسلخ إذا ذُبحت، فامض على بصيرتك واستعن بالله.
فقبل رأسها وقال: هذا رأيي، والذي قمت به داعيًا إلى يومي هذا. ما ركنت إلى الدُّنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرماته، ولكنَّي أحببت أن أعلم رأيك، فقد زدتني بصيرةً، فانظري يا أماه فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر إلى الله [الكامل في التاريخ والبداية والنهاية].
فعندما نرى شجاعة الرجال نعلم قطعًا أنَّ خلفها جسارة النساء وإيمانهن، فلا يشجع رجلٌ واحدٌ إذا كان خلفه ألف مخذل، ويجرؤ مئات الرجال إذا كان خلفهم خنساء واحدة.
المرأة في العهد الأيوبي
أثناء محاولة زحف الصليبيين إلى القاهرة مات السلطان الصالح أيوب، ولم يعهد لأحدٍ من بعده، فكانت محنة عظيمة ألمت بالمسلمين، فأدركت زوجته شجرة الدر خطورة إذاعة هذا الخبر على الجند، فقررت إخفاء خبر الوفاة، ولم يعرف بذلك إلا الخاصة، وزورت وثيقة تحمل توقيع السلطان بتعيين ابنه توران شاه قائدًا عامًا للجيوش ونائبًا للسلطان أثناء مرضه، واستمرت هيبة القيادة بعد وفاة الملك الصالح أيوب بفضل الله ثم شجرة الدر، فقد كتمت خبر موت زوجها وتحملت الموقف بكل شجاعةٍ ورابطة جأشٍ وسارت الأمور كأن لم يحدث، ودارت العمليات العسكرية مدة شهرين ونصف كأنَّ السلطان لم يمت حتى وصل توران شاه بتاريخ 17/ 11/ 647هـ الذي تولى القيادة في مصر [الأيوبيون بعد صلاح الدين].
فقد أثبتت لنا شجرة الدر دور المرأة المسلمة خلال ذلك الصراع العنيف بين المسلمين والصليبيين على أرض مصر، فقد حفظ لها التاريخ حكمتها في أصعب المواقف التي مرت بها الدولة الأيوبية حينذاك. ومن الممكن القول بأن المرأة المسلمة كانت تعمل في الجبهة الداخلية التي هي أساس نجاح جبهات الصراع الحربي مع الصليبيين، وساهمنّ في صنع تاريخ الأمة الجهادي [الحروب الصليبية بين الشرق والغرب].
المرأة في العهد العثماني
يوجد في قصر “دلما بهشاسي” في اسطنبول ممر في جناح النساء مشرفٌ على قاعة التشريفات السلطانية، يطلعن من خلاله على كل الاجتماعات السلطانية والمقابلات السياسية، ولا يستطيع أحدٌ رؤيتهن من داخل القاعة.
فهن حاضراتٌ في كل الاجتماعات، ويعلمن أبناءهن ما تعلمنه من الخبرات السياسية والعسكرية العملية، ويشاركن أزواجهن وآباءهن في صنع تلك القرارات. لم تكن المرأة تظهر أمام الرجال، لكنَّها كانت تحدد مستقبل الدَّولة وكبار رجالاتها.
وبقيت على هذه الحالة إلى حين انهيار الدولة العثمانيَّة، فظهرت أمام الرجال، فزال دورها السياسي والعسكري وتأثيرها في الدولة؛ لأنَّ عقلها غاب، وصارت بضاعة للمتعة الرخيصة .
ونلاحظ من تلك النماذج أمورًا عدة؛ منها:
1- كيف أنَّ دور المرأة يبرز بوضوحٍ في وقت الأزمات، بسبب حساسيَّة تلك المواقف وأهميتها. لكنها تدلُّ بوضوحٍ على أنَّها تلعب دور الجندي المجهول الذي لا يتوقف تأثيره في عالم السياسة والعسكرة، وإن غفلت كتب التاريخ عن تقييد هذا الدور الهام .
2- أنَّ تأثير هؤلاء النساء لم يكن بسبب صلة القرابة بأزواجهن أو آبائهن أو أبنائهن أو إخوتهن، وإنَّما بسبب إيمانهن وصلابتهن في الحق من جهة، وعلمهن الغزير وأخلاقهن من جهةٍ أخرى. فقد كان مسؤولو الدولة لا يتزوجون إلا المفكرات العالمات المؤثرات في المجتمع .
3- لم تكن قرارتهن مباشرة للمرؤوسين، فتستغل بذلك صلة القرابة بصاحب القرار والمسؤولية، وتؤدي لتجاهل صاحب القرار وإضعاف سلطته وتشويه سمعته، ولكنَّها كانت قرارات مشورة ورأي، ورب مشورة سبقت ألف قرار.
4- يزداد دور المرأة طردًا مع قوة الدَّولة الإسلاميَّة وعظمة حضارتها، ويضمحل باضمحلال الدَّولة الإسلاميَّة وضعفها.
المرأة المسلمة – ذلك الجندي المجهول الذي يضخ الحياة في بناء المجتمع والدَّولة على حد سواء – تم تحويلها في زماننا من صاحبة رأي وفكرٍ وقرارٍ مؤثرٍ، إلى دمية للمتعة والترفيه، وموضع عبث بأيدي مافيات السياسة القذرة.
والواجب على المرأة في زماننا أن تخرج من هذا التهميش الذي تمَّ اعتقالها فيه إبان انهيار الخلافة العثمانيَّة، لتنطلق من جديد في عالم العلم والفكر؛ لتكون صاحبة قرارٍ، ولو من وراء الستار.
فهذا خير من هتك الستر، لينحصر تفكير المرأة والرجل واهتمامهما بجسدها وزينتها.
فتعلمي، وألفي، وعلمي، وربي، وحرضي، وحركي أركان المجتمع والأمَّة. وافعلي ما عجز الرجال عن فعله. فوالله ليست النتائج بقوتك ولا قوة النساء والرجال، وإنما بقوة الله العلي الجبار. وواجبنا العمل فقط، ولا يعلم أحدنا في أي شيءٍ يجعل الله النتائج والخير والحركة والبركة.
وأكرر مرة أخرى:
رب مشورة سبقت ألف قرار، فكوني صاحبة قرار، ولو من وراء الستار؛ إن كان همنا – حقيقة – رِفْعَةُ الأمَّة ونشر الحق والحرية والعدالة.


