Site icon أ.د. إبراهيم عبد الله سلقيني

العربية بين يديك: المجلد الرابع: الدرس الأربعون: بلال بن رباح رضي الله عنه:

لِبلال بن رباح رضي الله عنه مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم سيرة من أروع سير النضال في سبيل العقيدة، وقصة لا يمل الزمان من تردادها، ولا تشبع الآذان من سحر نشيدها.
ولد بلال في “السراة” قبل الهجرة بنحو ثلاث وأربعين سنة، لأب كان يُدعى “رباحاً”، أما أمه فكانت تُدعى “حمامة”.
نشأ بلال في أم القرى، وكان مملوكا لأيتام من بني عبد الدار، أوصى بهم أبوهم إلى أمية بن خلف أحد رؤوس الكفر.
ولما أشرقت مكة بأنوار الدين الجديد، وهتف الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بكلمة التوحيد، كان بلال من السابقين الأولين إلى الإسلام؛ فقد أسلم، ولم يكن على ظهر الأرض من مسلم إلا هو ونفر من السابقين الأولين، منهم خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، وأبو بكر الصديق، وعلى بن أبى طالب، وعمار بن ياسر، وأمه سمية، وصهيب الرومي، والمقدادُ بن الأسود.
لقد لقي بلال من أذى المشركين ما لم يلقه سواه، وعانى من قسوتهم، وبطشهم، وغلظ قلوبهم، ما لم يعانه غيره. وصبر هو ومن معه من المستضعفين على الابتلاء في سبيل الله، كما لم يصبر أحد؛ فلقد كانت لأبي بكر الصديق، وعلي بن أبى طالب، عصبية تمنعهما، وقوم يحمونهما، أما أولئك المستضعفون من الأرقاء والإماء؛ فقد نكلت بهم قريش أشدّ التّنكيل… فلقد أرادت أن تجعلهم عبرة لمن تُحدثه نفسه بنبذ آلهتهم، واتباع محمد. وقد تصدى لتعذيب هؤلاء طائفة من أغلظ كفار قريش كبداً، وأقساهم قلباً. فلقد باء أبو جهل – أخزاه الله – بإثم “سمية” فوقف عليها يسب ويرفث، ثم طعنها برمحه طعنة دخلت من أسفل بطنها، وخرجت من ظهرها. فكانت أول شهيدة في الإسلام. وأما الآخرون من إخوتها في الله – وعلى رأسهم بلال بن رباح – فقد أطالت قريش تعذيبهم. كانوا إذا توسطت الشمس كبد السماء، والتهبت رمال مكة بالرمضاء، ينزعون عنهم ثيابهم، ويلبسونهم دروع الحديد، ويصهرونهم بأشعة الشمس المتقدة، ويلهبون ظهورهم بالسياط، ويأمرونهم بأن يسبوا محمداً. فكانوا إذا اشتد عليهم التعذيب، وعجزت طاقتهم عن تحمله، يستجيبون لهم فيما يريدونه منهم، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، إلا بلالاً – رضي الله عنه وأرضاه – فقد كانت نفسه تهون عليه في الله عزّ وجل.
وكان الذي يتولى تعذيبه أمية بن خلف وزبانيتة. لقد كانوا يلهبون ظهره بالسياط؛ فيقول: أحد أحد، ويطبقون على صدره الصخور، فينادي: أحد.. أحد.. ويشتدّون عليه في النكال؛ فيهتف: أحد أحد.. كانوا يحملونه على ذكر اللات والعزى؛ فيذكر الله سبحانه وتعالى.
ويقولون له: قُل كما تقول. فيجيبهم: إن لساني لا يحسنه.. فيزيدون في إيذائه، ويمعنون في تعذيبه.
وكان الطاغية الجبار أمية بن خلف، إذا مل من تعذيبه، طوق عنقه بحبل غليظ، وأسلمه إلى السفهاء والولدان، وأمرهم أن يطوفوا به في شعاب مكة، وأن يجروه في بطحائها. فكان بلال – رضوان الله عليه – يستعذب العذاب في سبيل الله، ويردِّدُ على الدوام نشيده العُلوي: أحدٌ أحد.. أحد أحد. فلا يمل من ترداده، ولا يشبع من إنشاده.
وقد عرض أبو بكر الصديق – رضوان الله عليه – على أمية بن خلف أن يشتريه منه، فأغلى فيه الثمن، وهو يظن أن أبا بكر لا يأخذه.. فاشتراه منه بتسع أواق من الذهب. فقال له أمية بعد أن تمت الصفقة: لو أبيت أخذه إلا بأوقية لبعته. فقال له الصديق: لو أبيت بيعه إلا بمئة لاشتريتُهُ.
ولما أذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، هاجر بلال – رضي الله عنه – في جُملة من هاجر. واستقر في يثرب بعيداً عن أذى قريش، وتفرغ لنبيه وحبيبه محمد – صلوات الله وسلامه عليه – وكان يغدو معه إذا غدا، ويعود معه إذا عاد، ويصلي معه إذا صلى، ويغزو معه إذا غزا، حتى أصبح ألزم له من ظله.
لما شيّد الرسول صلى الله عليه وسلم مسجده في المدينة، وشُرع الأذان، كان بلال أول مُؤذّن في الإسلام. وكان إذا فرغ من الأذان وقف على باب بيت الرسول – عليه الصلاة والسلام وقال: حي على الصلاة، حي على الفلاح. فإذا خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من حجرته ورآه بلالُ مقبلاً ابتدأ بالإقامة.
لقد شهد بلال مع نبيه “بدراً”؛ فرأى بعينه كيف أنجز الله وعده، ونصر جُنده، وشهد مصرع الطغاة، الذين كانوا يعذبونه سوء العذاب. وأبصر أبا جهل وأمية بن خلف صريعين تنوشهما سيوف المسلمين، وتنهل من دمائهما رماح المعذبين.
ولقد ظل بلال يؤذن للرسول صلى الله عليه وسلم طوال حياته، وظل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يأنس إلى هذا الصوت، الذي عذب في الله أشد العذاب، وهو يردد: أحد.. أحد.
ولما انتقل الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وحان وقت الصلاة، قام بلال يؤذّن في الناس – والنبي الكريم مُسجى لم يدفن بعد – فلما وصل إلى قوله: “أشهد أن محمداً رسول الله”، خنقته العبرات، واحتُبس صوته في حلقه، وأجهش المسلمون بالبكاء، وأغرقوا في النحيب. ثم أذن بعد ذلك ثلاثة أيام، فكان كلما وصل إلى قوله: “أشهد أن محمداً رسول الله” بكى وأبكى… عند ذلك طلب من أبي بكر خليفة رسول الله أن يعفيه من الأذان، بعد أن أصبح لا يحتمله، واستأذنه في الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، والمرابطة في بلاد الشام. رحل بلال عن المدينة المنورة مع أول بعث من بعوث المسلمين، وأقام في “داريا بالقرب من دمشق”.
ولقد ظل مُمسكاً عن الأذان حتى قدم عمر بن الخطاب بلاد الشام، فلقي بلالاً – رضوان الله عليه – بعد غياب طويل. وكان عمر شديد الشوق إليه، عظيم الإجلال له، حتى إنه كان إذا ذكر الصديق أمامه يقول: “أبو بكر سيدنا، وهو أعتق سيدنا” (يعني بلالاً رضي الله عنه). وهناك عزم الصحابة – رضي الله عنهم – على بلال أن يؤذن في حضرة الفاروق، فما إن ارتفع صوته بالأذان، حتى بكى عمر، وبكى معه الصحابة، حتى اخضلت اللحى بالدموع. فلقد أهاج بلال أشواقهم إلى عهود المدينة المنورة، سُقياً لها من عُهود.
ولقد ظل داعي السماء يقيم في منطقة “دمشق” حتى وافاه الأجل المحتوم، فكانت امرأته تُعْوِلُ إلى جانبه في مرض الموت، وتصيح قائلة: واحزناه… وكان هو يفتح عينيه في كل مرة ويجيبها قائلاً: وافرحاه.. ثم لفظ أنفاسه الأخيرة، وهو يردد:
غداً نلقى الأحبة … مُحَمّداً وصحبه.
غداً نلقى الأحبة … محمّداً وصحبه.
(صور من حياة الصحابة لعبد الرحمن رأفت الباشا: بتصرف).

Exit mobile version