أ.د. إبراهيم عبد الله سلقيني

استشراف المستقبل في السيرة النبوية

مقالة نشرتها في مجلة الحكم التركية؛ العدد 4/ 2015م:

ARABİC NİSAN_Page_6

قال تعالى:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

(أُسْوَةٌ) أي: اقتداءٌ كما في تفسير الجلالين.

والاقتداء يكون بكلّ شيءٍ، ومن ذلك منهجه في التَّخطيط الاستراتيجيّ واستشراف المستقبل لبناء تلك الخُطط، وليس فقط الاستدلالات الحرفيَّة المجردة من النُّصوص، دون النَّظر إلى أهدافها، ودون النَّظر إلى النُّصوص الأخرى التي تدلُّ على تفاصيل الحوادث.

ذلك العلم الذي يَعُدُّه الناس من العلوم المعاصرة هو علمٌ عَمَلَ به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، بل ودرَّب عليه صحابته الكرام رضي الله عنهم .

سيتبادر إلى ذهن القارئ أنَّ هذا من وحي الله سبحانه وتعالى بشأن المغيَّبات المستقبليَّة، لكنَّ أفعال النَّبيّ الأميّ هي في المحصلة دروسٌ لنا، فكلُّ أفعال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم وتقريراته وأوامره ونواهيه من الوحي، فهل نترك الاقتداء بها لأنَّها من الوحي؟!! .

لم يقل بذلك أحدٌ، بل الواجب علينا أن نتأسى بها وندرسها بأدقّ تفاصيلها…

وفي ذلك عدَّة نماذج من سيرته صلى الله عليه وسلم:

أولًا: الهجرة إلى الحبشة:

في طريق هجرة أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه وقومه وكانوا “52 أو 53 مهاجراً” إلى المدينة المنورة جنحت سفينتهم إلى الحبشة، فقال له جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنَا هَاهُنَا “123 مهاجراً” وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ [البخاري: 4/90] .

فهم باقون في الحبشة بأمرٍ نبويّ، ثمَّ كان رجوعهم بكتابٍ بعث به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى النَّجاشيّ مع عمرو بن أميَّة الضمري [الطبقات الكبرى: 1/208] .

فإذا علمنا أنَّ المهاجرين غالبيَّتهم من ذوي النَّسب والمكانة مع أنَّ الأذى عليهم أقلُّ، وإذا علمنا أنَّ الإرسال في طلبهم كان بعد المقولة الشهيرة التي قالها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الأحزاب: (الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلا يَغْزُونَنَا نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِمْ) [البخاري: 5/110] .

لعلمنا أنَّ الغاية من هجرتهم لم تكن الهروب من الأذى بقدر ما كانت لحماية بيضة الإسلام والمسلمين، فأبقى صلى الله عليه وسلم تلك النُّخبة من المهاجرين في الحبشة حتى زالت كلُّ احتمالات الإبادة والاستئصال بالمرَّة؛ فالمسلمون في مكَّة قبل الهجرة كانوا مدنيين معرَّضين للاستئصال والإبادة في أيّ لحظةٍ، وفي المدينة معرَّضون لاتفاق وتواطؤ المنافقين والمشركين واليهود معًا ضدَّ المسلمين واستئصالهم .

وهذا درسٌ بليغٌ في استشراف الاحتمالات المتوقعة للمستقبل .

ثانيًا: وثيقة المدينة المنورة:

لقد كان استشراف المستقبل واضحًا بالنُّصوص القرآنيَّة الكثيرة التي تبيّن حال اليهود في غدرهم وخيانتهم وقتلهم الأنبياء، وكان دور تلك الوثيقة في تقييدهم أطول فترةٍ ممكنةٍ، وتأخير الصّراع معهم ما أمكن ذلك، وهذا ساعد كثيرًا في بروزهم لنكث العهد قبيلةً بعد قبيلةٍ بدلًا من تكالبهم واتفاقهم دفعةً واحدةً لقتال المسلمين في المدينة المنورة لولا ذلك العهد .

ثالثًا: صلح الحديبية:

هذا الصُّلح كان من أعظم الدُّروس في استشراف المستقبل، وذلك من وجوهٍ:

1- التَّفرغ لدعوة قريشٍ وقبائل الجزيرة العربيَّة .

2- التَّفرغ لعولمة الدَّعوة .

3- إحراج قريشٍ سياسيًا بمحاولة دخول أراضيهم لغرضٍ سلميّ، وظهور قريشٍ بمظهر الإرهابيّ الذي منع دخول المعتمرين، ثمَّ دخول المسلمين في العام التالي إلى البيت الحرام في عمق أراضي قريش، واستعراض قوتهم أمامهم .

4- منع تغلغل الجواسيس القادمين من مكَّة في المجتمع المدنيّ، وبالأخصّ في هذه المرحلة الانتقاليَّة الحرجة التي يمرُّ بها المسلمون بين المحليَّة والعالميَّة.

5- ما حصل مع أبي جندل عندما وصل إلى المسلمين أثناء كتابة الصُّلح، فأصرَّ والده “كاتبُ الصُّلح من طرف المشركين” على أخذه معه، فَلَصِقَ بِهِ عُمَرُ رضي الله عنه وَأَبُوهُ آخِذٌ بِيَدِهِ يَجْتَرُّهُ، وَعُمَرُ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ، وَمَعَك السَّيْفُ [مصنف ابن أبي شيبة: 7/387]، وفي هذا إيماءٌ باستخدام السّلاح لدرء عذاب قريشٍ عنهم .

وكذا عندما ردَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بصير مع المشركين، فقتل أحدهما وهرب الثاني إلى المدينة واحتمى بالنَّبيّ صلى الله عليه وسلم، فتبعه أبو بصير وقال عبارته المشهورة: يَا نَبِيَّ اللَّهِ؛ قَدْ – وَاللَّهِ – أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ؛ قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ [البخاري: 3/193].

فتجمع أبو جندل وأبو بصير وعددٍ من المسلمين الهاربين من إرهاب قريشٍ وأَقَامُوا بِسَاحِلِ الْبَحْرِ، فَكَأنَّهم قَطَعُوا عَلَى قُرَيْشٍ مَتْجَرَهُمْ إِلَى الشَّامِ ، فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّا نَرَاهَا مِنْك صِلَةً، أَنْ تَرُدَّهُمْ إِلَيْك وَتَجْمَعَهُمْ !!! فَرَدَّهُمْ إِلَيْهِ [مصنف ابن أبي شيبة: 7/387] .

وما كان لهذه الاستراتيجيَّة لتنجحَ لولا علم النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بقوة إيمان تلك العُصبة المؤمنة التي لم ترتدَّ ولم تتردد ولم تَضعُف في مقابل محنة التَّعذيب ومحنة ردّهم للمشركين، وإنَّما استثمروا تلك المحن لمصلحة أُمتهم وقضيتهم، وهذا أيضًا من الدّراسة الدَّقيقة لردَّة الفعل المستقبليَّة للأفراد المهاجرين من مكَّة إلى المدينة .

وكلُّ هذا حصل بوحيٍ من الله لنبيّه، أو بحكمته التي هي بتعليم الله له أيضًا، لكن النتيجة أنَّنا يجب علينا أن نقتدي بالنَّبيّ صلى الله عليه وسلم عن علمٍ ودراسةٍ للاحتمالات المستقبليَّة المتوقعة للقرارات وبنود المعاهدات، بهدف أن تكون تلك القرارات والبنود في صالح المسلمين وليست ضدَّهم .

والواجب علينا أن نتعلَّم من وحي الله، وكذا من العلم الذي علمه اللهُ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: غزوة مؤتة:

بعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جيشًا، واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ: فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ أَوْ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ فَإِنْ قُتِلَ أَوْ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ [مسند أحمد: 3/278] .

ولم يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم في غير هذه المعركة، واستُشهد الثلاثة رضي الله عنهم، ثمَّ حمل الرَّاية خالد بن الوليد رضي الله عنه.

فإذا علمنا أنَّ عدد المسلمين كان (3000) في مقابل (200) ألف مقاتل، أي مقاتل واحد -غير مجهزٍ- في مقابل (66.67) مقاتلًا مجهزًا بأحدث مُعِدَّات القتال، فهي أشبه بالعملية الاستشهاديَّة منها إلى الحرب النّظاميَّة، فناسب تسمية عدة قادةٍ لاحتمال استشهادهم في المعركة .

وهذا ليس رجمًا بالغيب بقدر ما هو استشرافٌ لاحتمالات المستقبل، وبناء القرارات عليها، بغضّ النَّظر عن الأهداف الاستراتيجيَّة لهذه العمليَّة من الحفاظ على هيبة الدَّولة الإسلاميَّة الناشئة، وردع العدوّ عن التفكير بقتال المسلمين لسنواتٍ لاحقةٍ، وإشاعة صيت الدّين الجديد في كامل بلاد الشام .

خامسًا: بعث أسامة بن زيد رضي الله عنه:

ذلك البعث الذي يمثل نقل دفَّة القيادة العسكرية من طبقة الكبار إلى طبقة الشباب، تمهيدًا للتداول السلس فيما بعد للسلطة من طبقة الكبار إلى الطبقة المخضرمة؛ لتستمرَّ مسيرة الأمَّة عبر الأجيال، فعمر الأمَّة أطول بكثير من عمر الأجيال المتلاحقة.

وهذا فيه درسٌ عظيمٌ في استشراف المفاسد المستقبليَّة العظيمة فيما لو ماتت الأمَّة بموت قادتها، أو ضعفها بسبب ضعفهم، وهو ما لم يتمُّ تداركه في مراحل الضَّعف الأخيرة للدولة الأمويَّة والعباسيَّة والعثمانيَّة فأدى ذلك لانهيارها.

سادسًا: إرسال العيون:

إنَّ الغرض الأساسيّ من إرسال العيون والجواسيس هو معرفة ما يريد وما يمكن أن يفعله العدو في المستقبل، وبالتالي اتخاذ قرارٍ مناسبٍ يفسد خِطَّة العدوّ.

ولم يكتف النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بإرسال العيون حول المدينة، ولا لتقصي أخبار عساكر العدو في الحرب، بل زاد على ذلك ببث العيون بين قريش داخل مكَّة، فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: “من لقي العبَّاس فَلْيَكُّفَّ عنه فإنَّه خرج مُسْتَكْرَهًا” [الآحاد والمثاني لأبي ابن عاصم: 1/268]. وفي هذا إشارةٌ واضحةٌ بوجود تواصلٍ بينهما، فإن صحَّ ما روي من إسلامه قبل بدرٍ، وحبه للقدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه: “إنَّ مَقامَك بمكَّة خير” [الجوهر النقي لابن التركماني: 9/106، وسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد: 11/98].

فهذا دليلٌ واضحٌ على أنَّه كان عينًا للرسول صلى الله عليه وسلم في مكَّة، وكان يضغط على نفسه كثيرًا للبقاء في مكَّة لتحقيق هذا الغرض .

سابعًا: أحاديث توصيف المستقبل واقتراح توجيهات له:

ما سبق من الحوادث لا تعدو كونها نماذج يسيرةٍ من التَّخطيط الاستراتيجيّ الذي كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يسير عليه، وهذا التخطيط لا ينفك أبدًا عن دراسات استشراف المستقبل وبناء القرارات على تلك الدّراسات، والتي كانت في ذلك الزمان دراسات وقرارات لحظية صادرة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، ولكنَّها تفتقر في زماننا إلى مؤسسات تحوي عقولًا وباحثين ومخططين مختصين في تلك العلوم، فيطرحون تلك العلوم على أصحاب القرار، ليقوم السياسيُّون بدورهم باتخاذ القرارات المناسبة بناءً على تلك المعلومات.

وهذا يدفعنا لضرورة التفكير بعمقٍ في الأحاديث التي تتكلم عن حوادث مستقبليَّةٍ، وتحوي في داخلها توجيهاتٍ للتعامل مع تلك الحوادث. كـ « التَّهْلِيلُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَيُجْرَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجْرَى الطَّعَامِ » عند إجداب الأرض قبل خروج الدَّجال، وجنَّة الدَّجال وناره، وتحرز الناس إلى الطُّور في مجازر يأجوج ومأجوج، وكيفية فتح قسطنطينة بالتَّكبير، ومعركة مرج دابق وأسرى الرُّوم، وغيرها الكثير في السنَّة النبويَّة.

فإذا كان الغَرْبُ يعتمد فقط على الاحتمالات الرياضيَّة المنطقيَّة العقليَّة، فإنَّنا في ديننا نعتمد على تلك العلوم، وعلى توصيف الأحاديث وتوجيهاتها معًا، فتكون قرارتنا أقرب إلى الصَّواب في أشدّ المواقف والحوادث تعقيدًا…

فهلا عدنا إلى سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وسنَّته، فدرسناها وأحييناها في حياتنا قولًا وعملًا، ولم نكتف بالمديح دون علم ودون عمل ؟!!

فنصلح بذلك دنيانا وآخرتنا، ونكون أهلًا لعمارة الأرض…

Exit mobile version