Site icon أ.د. إبراهيم عبد الله سلقيني

أزمة في مجتمعنا الحلبي!!

عجيب أمر هذا الإنسان ؛ يبحث عن القصور فوق السحاب ، وقصوره في أعماقه ، ويبحث عن المال في وجوه الكسب الحرام ، وغناه في قلبه ، ويبحث عن الجمال في صور شمعية جوفاء ، والجمال جمال الإيمان .

ينظر إلى الأعلى ، فيجد أعلى ما في الوجود إنسان ، وينسى أن خالقه أعلى وأعظم مما يتمنى ويرغب . يظن أن الحياة هي أسمى ما في الوجود ، وينسى أن الحياة تبدأ بعد انتهاء الحياة !

هل وصل ؟! سيبقى في تعاسة إلى أن يصل ، ولن يصل ؛ لأن أوهام الإنسان ليس لها حدود !! وحتى لو وصل فسيكتشف أنه أصبح في القاع ، ولكن بعد فوات الأوان .

سيبذل كل ما يملك في هذا الوجود في سبيل هدفه الذي رسمه في رأسه ، ثم سيكتشف أنه نقطة في بحر من الوهم والخيال ، ولكن بعد ماذا ؟!! بعد أن باع الغالي بالرخيص ، واشترى شيئاً ينساه الناس ويضيع أثره مع الأيام ، بشيء هو هدفه من الوجود في هذه الدنيا .

لن أتحدث عن أسباب الخلاف بين الناس ؛ بين الآباء والأبناء ، وبين الزوج وزوجه ، وبين الطلبة ومعلمهم ، وبين الإخوة ، والشركاء ، بل حتى بين الإنسان وكل من يقابله في يومه ، بل ربما بين الإنسان وظله !!

لن أتحدث عن أسباب الخلاف ؛ لأنه لم تعد هناك أسس أو قواسم مشتركة يمكن أن يتفق عليها الناس .

أنت معي إذن أنت على حق حتى تزول المصالح التي بيننا ، وأنت مع غيري إذن أنت على باطل حتى نبني مصالح مشتركة فيما بيننا . سقف تفكيرنا هو أرضية الحياة الحقيقية التي ينبغي أن ندوس عليها ونمضي ، ومنتهى أهدافنا هو الخطأ الذي يجب أن نتخلى عنه .

حتى إذا نصحت ، فأنا أوجهك للطريقة الأسلم ، وربما للطريقة الأسلس لخراب بيتك . إلى أين ؟!! أما يكفي ؟!!

أنت تحبني إذن يجب أن تطيعني !!! من يطيع من ؟ ليس من الواجب أن تسأل !! لأنه في النهاية لا يجب على أحد أن يطيع أحداً ، لأن المجتمع بأكمله غدا مجتمعاً أنانياً لا يفكر إلا بنفسه ، وبما يعتقد هو أنه الصواب !!

الصواب أنا ، وغيري خطأ !!

الكل يفكر بهذه الطريقة ، إذن كل إنسان دولة مستقلة ، لكنه عاجز عن صنع الحدود في زمن العولمة التي علمتنا أن كل إنسان يجب أن يتدخل في خصوصيات الآخرين رغماً عنهم .

من سيطيع من ؟!! ومفهوم الناس أن الطاعة ذل !! والوقاحة هي جرأة وحرية !!

هنيئاً لهذا المجتمع الذي لا يطيع الولد فيه والديه ، ولا الزوجة زوجها ، ولا العامل مديره في العمل ، ولا المحكوم حاكمه !! هنيئاً هنيئاً ، فهذه هي بداية التفكك وليست نهايته .

ليست المشكلة في العلاقة بيننا ، ولكن المشكلة أننا ضيعنا العلاقة بيننا وبين خالقنا ، فضاع معها كل شيء ، ضاعت معها كل علاقاتنا !! لم نعد ندري أين نحن ؟ ولماذا نحن هنا ؟ ولماذا نعيش ؟ وكيف سنعيش ؟

إنسان فاقد الذاكرة يعيش على السباب ، والشتائم ، واحتقار الآخرين ، ويعيش لأنه يعيش ؛ لسبب سهل ويسير ، أنه أضاع هويته .

رقدنا بما فيه الكفاية ، ثم اكتشفنا من جديد أننا عدنا إلى الوراء 1500 عام ، أصبح بعضنا يتلف ماله كله من أجل سباق بين داحس والغبراء ، أو بين فريرا وبيجوتي ، أو بين كلبتين ، أو ديكين ، أو امرأتين في الطبخ ، أو حفلتي عرس (أصبحت عشر حفلات) ، أو ثورين في من سيربح …

اكتشفنا أن مجتمعاتنا امتلأت بأنواع عديدة من الجرائم : القتل ، والسطو المسلح ، والاغتصاب ، والسرقة .

تلك الجرائم لا لشيء ، ولكن ليثبت كل إنسان لمن حوله أن دولته المستقلة موجودة . هنيئاً هنيئاً لك الاستقلال !!

حتى إذا فكرنا أن نخطو في الاتجاه الصحيح ، فالمصلح يريد من الناس أن تتجاوب معه !! بل ربما أراد من أعدائه أن يساعدوه على تأدية دوره على أكمل وجه !! والأقسى من ذلك أنه يريد أن يعطيه الناس المكانة الاجتماعية اللائقة به ، فيجب أن يصدر في المجالس ، وأن تكون لديه سيارة فارهة ، ومنزل واسع ، وإن كان مغترباً فيجب على الناس أن يعدوا العدة لرجوعه إلى الوطن ، بحفاوة الاستقبال ، وتفريغ المجتمع من المنغصات ، والجو العلمي الملائم . فلا يعقل أن تكسر رباعيته ، ولا أن يلوث ظهره بسلى الجزور ، ولا أن يسقط من فوق عمامته الكبيرة جداً .

أقول للمقيم منهم : إن كان من حولك صالحاً فمن تريد أن تصلح ؟! وأقول للقادم : لماذا أتيت ؟! فيكفينا ما نحن فيه من البلاء ، ولا نريد بلاءً جديداً !!

أما المرأة فهي تحلم أن تؤدي دورها بشكل ممتاز ورائع ، ولكنها تريد خادمة ، ومربية ، وزوج سلس فوق العادة ، وأبناء يتعلمون بمفردهم ؛ وهي لا يجب عليها إلا الإشراف على هذا الطاقم من الخبراء والمختصين في مختلف شؤون الأسرة . والأغرب والأنكى من ذلك عندما تكون تلك المرأة معلمة في بيوت الناس ، وخادمة في بيوتهم . أما في بيتها فهي زعيمة قبيلة ، وزوجها لا يمكنه تعويض النقص إلا بالزواج من أربع زوجات ، واحدة مربية ، والأخرى خادمة ، والثالثة متحببة ، والأخيرة احتياط !!

ورحم الله أمهاتنا وأمهاتهم ؛ لم يكن لديهم معين إلا الله ، وكان على عاتقهم القيام على بيت واسع مترامي الأطراف ، وتربية أحد عشر ولداً أحياناً ، وكن يقمن بواجباتهن على أكمل وجه .

الذي يريد أن ينجز لا ينتظر الآخرين لينجزوا له ما يحلم أن ينجزه هو . الذي يحلم يعمل ليحقق أحلامه ، وإذا عمل فلا يتوقف عن العمل ويرجع على عقبيه بسبب إحباط أو حالة انزعاج أو حالة قرف من منغص من المنغصات .

أظننا وصلنا إلى قمة القاع ، ويكفينا ما وصلنا إليه . لابد لنا أن نفكر الآن كما فكر العظماء من آبائنا وأمهاتنا القادة .

كيف كان الرجل يبذل كل حياته ـ بلا كلل أو ملل ـ لينشئ “ أسرة ” تحيى لله وتعمل لله ، فلا تعمل لمصلحة ، ولا تنتظر في مقابل ما تبذله شيئاً من الدنيا ؟!

كيف كانت المرأة تبذل كل حياتها ـ بلا كلل أو ملل ـ لتنشئ جيلاً من العلماء العاملين ؟!

كان ذلك الجهد الدائب داخل الأسرة وخارجها ، فرأينا في الجيل الذي يليه قادة عظاماً سجل التاريخ أسماءهم وأعمالهم على صفحات من نور .

شاب نشيط وشابة نشيطة ، بل شيخ ارتسم على كل ثنية من ثنيات وجهه أسطورة وقصة ، وشيخة حفرت في التاريخ قصصاً للبطولات سطرها أبناؤها . لا تدري من منهم الأنشط الشاب أم الشيخ ؟!!

كيف تبرد همة الطفل أو يتكاسل وهو يرى في والديه أسود البطولة والكفاح ؟! كيف يرضى بالجهل وهو يرى فيهما عباقرة الفهم والوعي ؟! كيف يختلف مع أخيه على شيء من الدنيا وهو يرى فيهما أساتذة الحوار والمناظرة في أسمى العلوم ، لا في سفاسف الدنيا ومغرياتها ؟! كيف يفكر في الأخذ ، وقد تعلم في بيته العطاء ؟!!

الكل يعمل لأنه يعمل لله ، وينتظر المقابل الدنيوي والأخروي من الله ، فسهل الله لهم أمر الدنيا ، وفتح لهم أبواب الرحمة في الآخرة .

عظم المشكلة لا يعني عظم الحل أو صعوبته ، ولكنه يعني أن المشكلة جوهرية ، ويجب أن يكون حلها جوهري . هناك خلل جوهري في حياتنا لابد لنا أن نعالجه .

Exit mobile version