داحس والغبراء هما مخلوقان يمشيان على أربع قوائم ، ومشكلتهما أنهما محكومان من غيرهما ، ولو تركا لفطرتهما لكانا على أحسن حال .
داحس حصان لقبيلة عبس ، والغبراء فرس لقبيلة ذبيان ، ولو تركا لفطرتهما لتزوجا وانتهت المشكلة ، لكن أرباب الحجا من القبيلتين أصروا على الدفاع عن مشاعر داحس ، والحفاظ على كرامة الغبراء .
فكانت النتيجة حرباً مدتها أربعون عاماً بين القبيلتين !!
لا أدري من هو الأعقل منهما ؛ أهما الفرسان ، أم القبيلتان ؟!!
قصتنا مشابهة تماماً لقصة داحس والغبراء ، وتبدأ عندما جاءت لجنة مشتريات من قبيلة عبس لتفحص مستوى جودة “ الغبراء ” ، ولتساوم على أفضل سعر فيها .
لم تكن “ الغبراء ” مطابقة للمواصفات والمقاييس التي في قائمة قبيلة “ عبس ” ، فلم يكون لونها أبيضاً ، ولا شعرها أشقراً ، ولا عيناها زرقاوان ، ولم تكن ماشقة الطول ، بل قوائمها قصيرتان أشبه بالأتان منها للفرس . بل كانت مخالفة لمعاير الجودة العالمية ، فلم تكن منفتحة على حمير الجيران وأحصنتهم !!
لكن صاحبنا “ داحس ” كان ـ فيما يبدو ـ حماراً ولم يكن حصاناً ، وأصر بعنف على “ الغبراء ” دون غيرها ، وذلك لسبب بسيط ، وهو أنه قد رآها تسير أمام الفتحة المخصصة له في اصطبل بني “ عبس ” . وقال رأيه بصراحة : الموضوع غير قابل للتفكير ولا للنقاش !!
وبدورها كانت مندوبة المبيعات في قبيلة “ ذبيان ” تفكر بحكمة وبعد نظر ، فلم تفكر القيمة الحالية التي ستدفعها قبيلة “ عبس ” ، وإنما كانت تفكر في المستوى المعيشي لـ “ داحس ” ؛ ما هي مخصصاته من العلف ؟! وما هو عدد مرات خروجه إلى المرعى ؟! بل وما هو نوع المرعى ، أهو من فئة الخمس نجوم أم الثلاث فقط ؟! ومع أنه حصان إلا أنها لم تغفل عن السؤال عن نوع الحمار الذي قد خصصته له قبيلة “ عبس ” ، إذ من المؤكد أن داحس والغبراء سيصيبهما بعض الملل ، وسيحتاجان لتنسم الهواء الطلق على ظهر حمار من نوع “ شبح ” ، أو “ نملة ” على أقل تقدير !!
ولم تنس مندوبة المبيعات أن تفكر بالإرث الذي سيحصل عليه “ داحس ” من القبيلة بعد انقراضها .
كانت جلسة المفاوضات حامية ومصيرية ؛ لأنها ستقرر مستقبل “ الغبراء ” ، بل ومستقبل قبيلة “ ذبيان ” بأسرها .
ومع القليل ـ وربما الكثير ـ من الكذب ـ الذي هو من ضرورات عمل لجان المشتريات في الجاهلية ـ أجابت اللجنة على كافة أسئلة مندوبة “ ذبيان ” . ثم ألمحت بأن السلالة الطاهرة للفرس “ الغبراء ” ، والأصل الطيب ، والعائلة العريقة ، والنسب الرفيع يوجد لديهم رغبة صادقة في عقد الصفقة .
ما إن شعرت مندوبة مبيعات “ ذبيان ” بأن الصيد قد أمسك بالطعم ، حتى بدأت في التلميح بشروطها التفصيلية . فـ “ الغبراء ” بنت عز ودلال ؛ لا تأكل طعامها إلا طازجاً من المعلف المجاور لاصطبل القبيلة ، ولم تقم “ في حياتها كلها ” بتنظيف الاصطبل ، فهذا مهمة رجال القبيلة … أقصد من النفقات الواجبة على رجال القبيلة ، والعرف يقول : “ الذي يوسخ ينظف تحته ” ، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً ، والذي أوله شرط آخره نور .
ولم يكن هناك مفر أمام لجنة مشتريات “ عبس ” من الموافقة على كل مطالب مندوبة “ ذبيان ” ، استجابة لرغبات الحصان بل الحمار وربما الأحمق المدلل “ داحس ” .
والغريب في الأمر أن قبيلة “ عبس ” لها ثقة عمياء بكل عقود واتفاقيات لجنة مشترياتها ، فلم تفكر أبداً في قدرة الخزينة على تغطية طلبات مندوبة مبيعات “ ذبيان ” ، والظاهر أنهم اكتفوا من اللجنة بعبارة : “ تريدون أن يقولوا عنا بخلاء من أولها !! خلوا الغبراء تصير عندنا وسنريهم نجوم الظهر ” .
أما مندوبة قبيلة “ ذبيان ” فكانت تتصرف كرئيسة قبيلة ، وقبيلة “ ذبيان ” ـ على سن ورمح ـ ليس لها حس ولا صوت ؛ لأنها تراقب بتحفز وحذر “ من بعيد ” ما يحصل بين المتفاوضين !!
أما “ الغبراء ” فليس لها ـ حتى الآن ـ دور إلا العبث بمشاعر “ داحس ” ليضغط على قبيلته حتى تستجيب لكل إملاءات وشروط مندوبة “ ذبيان ” .
هنا بدأ السباق الطويل والعنيف بين القبيلتين في المظاهر والرياء الاجتماعي . فلابد أن تسمع القبائل العربية كلها عن هذه الصفقة العظيمة ، ولا مانع إن سمعت إمبراطورية فارس والروم عنها أيضاً . ولماذا ننتظر أن تسمع ؟! فسنقوم نحن بدعوة مسؤولي الإمبراطوريتين لحضور توقيع هذه الصفقة . ومن يدري ، فلعلهما يوقعان اتفاقية سلام بهذه المناسبة الكريمة ؟!!
وبما أن حفلة توقيع العقد سيحضرها كسرى قيصر وهرقل الروم ـ أو ربما سيحضران ـ فلابد من الاستعداد والتجهيز لها بشكل جيد . لذا يجب علينا أن نقيم مجموعة من الحفلات الممهدة لإقامة هذا الحدث العظيم .
مجموعة من الحفلات ندرس فيها المكان المناسب لإقامة حفلة توقيع الصفقة ، والتجهيزات المناسبة التي يمكن أن تظهر من خلالها القبيلتان بأحسن صورة أمام المجتمع الدولي ، والقائمة المناسبة من المدعوين … المدعوين الذين لا يهز وجودهم في الحفلة من مكانة القبيلتين ، و لا يشوه صورتهما … المدعوين الذين قد نلغي الحفل بسبب وجود أحدهم أو غياب الآخر .
الحفلة الأولى هي حفلة تشكر : حفلة يتعرف من خلالها أفراد القبيلتان على بعضهما .
الحفلة الثانية هي حفلة خطبة : حفلة تتقدم فيها قبيلة داحس علنياً أمام الناس بطلب الغبراء .
الحفلة الثالثة هي حفلة مليك : حفلة تقدم فيها قبيلة داحس قيمة الغبراء لقبيلتها علنياً أمام الناس .
الحفلة الرابعة هي حفلة كتيب : حفلة يتم فيها كتابة عقد النكاح وإشهاره بين داحس والغبراء .
أن يتحول “ داحس ” من حصان إلى حمار ، وأن تتحول “ الغبراء ” من فرس إلى أتان ويرفضا التفكير ، بل ويرفضا حتى محاولة التفكير (النقاش) ، فلا مشكلة في ذلك . أما أن ترفض قبيلتان كاملتان إعمال العقل ، فتلك هي المشكلة ، بل هي المصيبة والكارثة بعينها .
وكما قالوا في المثل العامي : “ يا آخذ القرد على ماله ، ذهب المال وبقي القرد على حاله ” .
ونسيت القبيلتان أن الحمار عندما يتزوج فرساً فسينتج بغلاً !! ولا أدري إن كانت أمتنا ينقصها المزيد من البغال !! بل لا أدري أهو الحمار وهي الفرس ، أم هو الحصان وهي الأتان ؟!!
فإن كان حماراً وهي أتان فوضعنا بخير ، لأننا بحاجة للكثير من الحمير التي تصبر على نقص العلف ، وتصبر على الأحمال الثقيلة التي سيضعها أعداؤنا على ظهورنا !!
بل نسيت القبيلتان أن السباق المزيف ـ والمليء بالكيد والمكر من الطرفين ـ ستكون نهايته حرباً طاحنة تستمر أربعين عاماً .
لكن لا مفر ، فهذا هو المجتمع الجاهلي المقيت الذي لا يفكر !! وإذا فكر فإنه يفكر في مصالحه ونزواته وشهواته !!
