بدون هذه الصفة (التواضع) قد يكون الإنسان زعيماً ، أو ملكاً ، أو رئيساً ، أو حتى جباراً أو فرعوناً ، أما أن يكون قائداً فيستحيل ذلك دون صفة التواضع .
لأن القائد لا يسوس الناس بالإكراه ، ولكنه يسوسهم بحبهم له ، وبقناعتهم بعلمه وشجاعته وأخلاقه وأهليته لهذه المكانة التي جعله الله فيها .
فأين العلم إن كان يظن في نفسه أنه أعلم من غيره ، وقد روي في الأثر عن أبي العباس أحمد بن يحيى وابن المبارك رحمهم الله : “ لا يزال الرجل عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل ” . وعن سعيد بن جبير رحمه الله : “ لا يزال الرجل عالماً ما تعلم ، فإذا ترك التعلم وظن أنه قد استغنى واكتفى بما عنده كان أجهل ما يكون ” .
وأين الشجاعة وهو يتوحش على أهله وبني جلدته ، ويخضع لعدوه ، والله سبحانه وتعالى يقول : {أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} .
وأين الأخلاق بعيداً عن أهم خلق ، وهو التواضع ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه في مسلم : “ مَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزّاً ، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ ِللهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ ” .
كان النبي صلى الله عليه وسلم في غار ثور يوم الهجرة ، لكنه كان قائداً في التخطيط ، وبث العيون في قريش ، ونقل المؤن ، وتحديد المواعيد . وفي كل تلك العمليات التي كان يقوم بها نجد العلاقة الأخوية الودية الحميمة بين “ الرسول ” وأتباعه .
فلم يكن يتعسف بمخططاته أو يتعنت ، ولكنه يرسم الخطوط العريضة ، ويترك لمن استأمنه في المهمة أن يتحكم في التفاصيل . ولم يكن ينفذ مخططه بالزجر والنهر وإلقاء الأوامر . كان النبي صلى الله عليه وسلم في قمة التواضع لأصحابه ، فكان أصحابه في قمة الخضوع والذل والاحترام له صلى الله عليه وسلم .
يروي لنا عدي بن حاتم رضي الله عنه قصة إسلامه فيقول : قلت : لو أتيته [أتيت محمداً صلى الله عليه وسلم] ؛ فإن كان ملكاً أو كاذباً لم يخف عليّ ، وإن كان صادقاً اتبعته . فخرجت حتى أقدُمَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه ، فقال : من الرجل ؟ فقلت : عديّ بن حاتم ! فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق بي إلى بيته ، فوالله إنه لعامد بي إليه [قاصد بي إلى الدار] إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته ، فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها ، فقلت في نفسي : والله ما هذا بملك ! ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بي بيته تناول وسادة من أدَمٍ [جلد] محشوّة ليفاً ، فقذفها إليَّ فقال : اجلس على هذه . قلت : بل أنت فاجلس عليها . فقال : بل أنت . فجلست عليها ، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض .
فقلت في نفسي : والله ما هذا بأمر ملك .
لم يخش صلى الله عليه وسلمه على هيبته من الوقوف مع امرأة “ ضعيفة كبيرة ” ، وأشدد على أنها : ضعيفة كبيرة .
ولم يكن لديه صلى الله عليه وسلم غير وسادة واحدة حصل بينهما النقاش في أمرها !!
ثم إنه جلس على الأرض ، وهذه من صفات التواضع . ثم إنه أجلس ضيفه على الوسادة فكان الضيف أعلى منه صلى الله عليه وسلم ، فلم يجلس على العرش ويترك من حوله في موضع أو منزلة أدنى منه في المجلس .
وفيما يرويه الترمذي وابن ماجه وأحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ : أَصَابَ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَاصَةٌ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيّاً ، فَخَرَجَ يَلْتَمِسُ عَمَلاً يُصِيبُ فِيهِ شَيْئاً لِيُقِيتَ بِهِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَى بُسْتَاناً لِرَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ ، فَاسْتَقَى لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ دَلْواً ، كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ ، فَخَيَّرَهُ الْيَهُودِيُّ مِنْ تَمْرِهِ سَبْعَ عَشَرَةَ عَجْوَةً ، فَجَاءَ بِهَا إِلَى نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
نبي يجوع ، وإنسان في عصرنا تضيق الدنيا عليه فيخرج عن دينه .
لم يكن صلى الله عليه وسلم قائداً وحده ، فقد ربى قواداً رضي الله عنهم ، فهذا علي رضي الله عنه ، لم تمنعه قرابته من رسول الله (المكانة الدينية) ، ولا مكانته في قومه (القبيلة) ، ولا عنفوان الشباب وإباءه (المستوى العمري) من أن يعمل ليغيره ليكسب رزقه بالحلال !!!
وبعض شبابنا ما إن يلبس جبته حتى يستنكف عن معظم الأعمال تحت دعوى خوارم المروءة التي لم يفقهها من كتب الفقه كما يجب ، فلا يحمل على ظهره كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد خلافته ، حتى لا يكون عتالاً ، ولا يصنع لغيره كما فعل علي رضي الله عنه ، حتى لا يكون أجيراً .
وكأنه ولد ليكون زعيماً أو عظيماً أو جباراً . قد يصبح كما أراد ، لكنه لن يكون قائداً كما كان النبي صلى الله عليه وسلم ، وكما كان صحابته الكرام رضي الله عنهم الذين تربوا في المدرسة المحمدية .
القيادة أن تشعر أن الناس يقودونك إلى الحق ، ولست أنت من يقودهم ، لأنك {لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ، ولكن الله ألف بينهم} .
القيادة هي الذل للمؤمنين (قمة التواضع) ، والخضوع لخالقهم (قمة العبادة) .
يروي لنا الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْوَةَ قَلْبِهِ ، فَقَالَ لَهُ : “ إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ ” .
لابد أن نربي أنفسنا أولاً على خلق القيادة الأساس (التواضع) لنكون أهلاً لها ، ولا يمكن أن نكون أهلاً لها إلا إذا اعتقدنا جازمين في أنفسنا أننا غير مؤهلين لها . فأين التواضع إن ظن الإنسان في نفسه أنه مؤهل ليكون آمراً على الناس غير مأمور .
ندرب أنفسنا ونربيها على علوم القيادة وفنونها لا نكون قواداً على الناس ، ولكن إذا اضطررنا لها كنا أهلاً للمكان الذي وضعنا فيه الناس .
يروي لنا البخاري ومسلم عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ ؛ لا تَسْأَلْ الإِمَارَةَ ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا ، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا ” .
