Site icon أ.د. إبراهيم عبد الله سلقيني

سيطرة الفكر الديني على المسلمين – لماذا ؟ وإلى متى ؟!

يأتي شهر رمضان فتجد ملايين المسلمين يصومون من أول الشهر إلى آخره ، ولا تجد ذلك في غيره من الأديان ، مع أن الصيام كتب على غير المسلمين من قبل كما كُتِبَ على المسلمين ، فالله سبحانه وتعالى قال : {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة : 183] . أما الصلاة فقليل من المسلمين من يتركها ، فإن تركها أحدهم شعر بارتكاب جريمة عظيمة بحق القانون الإلهي ، ويخشى دائماً العقوبة من الله على ذلك .

ولم نجد في يوم من الأيام أحداً يلوم المسلمين على التزامهم بعبادتهم لربهم . أما تعاملاتهم فهي في نظرهم عبادات أيضاً ، فلماذا يقرون على الالتزام بالإسلام في العبادات ، بينما يلامون على الالتزام به في التعاملات الحياتية اليومية ؟!

هذا كان التساؤل الأول الذي يشغل ذهن كل باحث في العلاقة بين المسلمين ودينهم ، لكنني احترت لمن يمكن توجيه هذا التساؤل . هل يوجه للمسلمين أم يوجه لمنتقديهم ؟! لماذا يحاول النقاد أحياناً الكيل بمكيالين ، مع أنَّ المفترض أن يكونوا منصفين ؟! هب أن عقائد المسلمين وأفكارهم ومناهجهم وأخلاقهم هي نوع من العادات والتقاليد ، أو هي حضارة إنسانية مجردة ، فلماذا يحترم العالم ثقافات الزنوج في أدغال أفريقيا ، ويحترم ديانة البوذيين ويعدها حضارة إنسانية ، ويستنكر العالم على المسلمين التزامهم بدينهم الذي يؤمنون بأنه منزل من عند الله ، ويعتقدون فيه القداسة ؟!

من الواجب على أي باحث أن يناقش سلوك المسلمين والعوامل المباشرة المؤثرة عليه ، لكن الواقع المعاصر يقودك دونما شعور إلى تأثير الدعوات المتطرفة من غير المسلمين على سلوك المسلمين ، لتجد في المحصلة أن دعوات المتطرفين والعنصريين من غير المسلمين لها تأثير مباشر على سلوكيات المسلمين ، فدعوات صراع الحضارات والكلام عن خطر الإسلام الزاحف إلى الغرب أو الشرق هي سبب جوهري لتجذر الالتزام بالإسلام في العالم الإسلامي ، بل هي سبب في كثير من الأحيان لتيارات التطرف المضاد في مجتمعاتنا .

وربما يكون الكلام قد جنح إلى هذا الجانب لأن التطرف واضح وظاهر للعيان في الأعم الأغلب ، وأسبابه غالباً ناتجة عن ردات الفعل ، أما السلوكيات الطبيعية فهي عميقة وتحتاج إلى نظرة متأنية . فتأثير الدعوات المتطرفة من خارج العالم الإسلامي تبدو واضحة في زيادة وتجذير الالتزام ، وأحياناً في إيجاد التطرف في الالتزام لدرجة الخروج عن النص الشرعي ، لكنها لا توضح بجلاء ذات الالتزام وسببه .

لماذا يلتزم معظم المسلمين بالصلاة والصيام والحجاب وغيرها من التشريعات ولا يلتزم بها غيرهم مع أنها فرضت عليهم كما فرضت علينا ؟!

إن المسلمين يملكون تشريعاً يعجز أي مخلوق عن تفكيكه أو إخراجه عن مضمونه الأصلي ، مهما بلغ ذلك الكائن في قوته أو عظمته أو جبروته ، فهم يقرؤون في صلاتهم : {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} [النساء : 65] ، فدينهم يأمرهم بالتسليم والاستسلام المطلق ، ولا يجدون بعد ذلك خياراً إما أن يقبلوه كله أو يرفضوه كله ، فالقضية حساسة جداً في دينهم ، ولا وجود للإيمان إلا إذا استسلموا .

وهم لا يعتقدون بذلك أنهم مستسلمون لشخص أو مخلوق ، بل يعتقدون أنهم مستسلمون لله خالق البشر {هو سماكم المسلمين من قبل} [الحج : 78] ، وأن هذا الاستسلام هو جوهر اعتقاد كل الأديان قبل التحريف ، فتجد في القرآن : {ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون * أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه : ما تعبدون من بعدي ؟ قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون} [البقرة : 132-133] .

إذن فالاستسلام لله هو جزء أصيل في أبجديات الإسلام ، بل وفي عوامل التنشئة الأولى للإنسان المسلم ، وهذا أمر لا يمكن تغييره أو تبديله أو حتى إزالته بحال من الأحوال ، لأنه متجذر في عامة النصوص الدينية الإسلامية ؛ قرآنية كانت أم حديثية .

وما عليك حينئذ إلا أن تقف أمام هذه التصورات وأمام هذه الآيات وتفكر ملياً … هل يمكن لهذه العلاقة بين المسلمين ودينهم أن تضعف ؟ هل يمكن لهذا الدين أن يمحى ؟ أو ينحرف على أقل تقدير ؟

المساجد في كل العالم في ازدياد مستمر ، في البلاد غير الإسلامية كما هي في بلاد المسلمين !! ولا يخلو مسجد من مصلين !! والمصلون على تفاوت فيما بينهم في العمل والتطبيق فإن العامل منهم لا يمكنك أن تعرفه ، لأنه يخشى ـ أكثر من غيره ـ أن يفسد عمله بالرياء الذي هو إعجابه بمدح الآخرين لعبادته !!

فهل يمكن تعطيل المساجد ؟! أم هل من  الممكن أن نمنع أولئك الناس من الذهاب إلى المساجد ؟! أم هل يمكننا أن نفرغ قلوبهم من الإيمان بمبادئهم التي يسمونها ديناً ؟!

لقد حاولت الشيوعية من قبل أن تفعل ذلك ، فهدمت المساجد ، وأحرقتها ، وحولتها إلى حظائر للمواشي ومتاحف ، وكل من يظهر شعائر الإسلام أو يوجد في بيته مصحف حكمه الإعدام ، فخبا ذكر الإسلام حتى ظن الناس أن الإسلام لم يعد له وجود هنالك . واليوم ها هي المساجد عادت إلى الحياة يملؤها عمارها ، وها هم المسلمون يتعلمون فيها دينهم ، ويتعلمون القرآن ، ومنه الآيات التي أوردتها سابقاً ، فأين الشيوعية الآن ؟!

فكرت كثيراً وقلت في نفسي : ألم يفكر الذين يحاربون الإسلام في ذلك ؟! نحن نحسبها بحساب العام والعامين ، لكن التاريخ يمضي بحسابات أخرى خارجة عن إرادتنا يسميها المسلمون : ” حسابات ربانية “ ، فتجد الواحد منهم لا يصاب بالإحباط أبداً ، ويقول : إن مت وأنا ثابت على هذا الدين فسييسر الله لأولادي ما يعيدهم إلى دينهم مهما اشتدت المحن !!

كنا نظن في يوم من الأيام أن هذا الكلام غيبياً من وحي الخرافة ، لكننا فوجئنا به واقعاً يحصل في حياتنا ، فها هو ذلك العجوز الذي قُتِل تحت نير الغطرسة الشيوعية ، ودُفِن ، ومات ، وبليت عظامه يجد ابنه يرتاد المسجد للصلاة من جديد !! كيف عرف أنه مسلم ؟! ومن علمه دينه ؟! وإذا كانت معرفته بهويته وتعلمه لشرائع دينه من وحي الصدفة ، فلماذا يطبقه في حياته وهو غير مضطر لذلك ؟! بل يطبقه مع أن التطبيق قد يكون مدعاة للتضييق عليه في رزقه وحياته !!

في باقي الأديان بدأ التفلت في التطبيق ، ثم تحول التفلت إلى لا مبالاة ، ثم لما حاولت الأجيال اللاحقة الالتزام بدينها تمسكت بالفروع والجزئيات وتركت الأصول ، وأحياناً تمسكت بأشياء لا أصل لها في الدين الصحيح وتركت جوهر الدين . أما في الإسلام فالله سبحانه وتعالى يقول : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر : 9] . فعلاً ، فالسيطرة المستحكمة للدين على المسلمين كانت وسيلة عملية لبقاء الإسلام والحفاظ عليه ، لكن ما هو مصدر تلك السيطرة ؟!

فكرت كثيراً وكثيراً ، أعواماً وسنيناً ولم أجد الإجابة . فكرت في هذا الكون الفسيح العظيم فلم أجد فيه ـ مع ضخامته ـ جواباً لسؤالي : ما هو مصدر السيطرة المستحكمة للإسلام على قلوب المسلمين ، مع أن الظروف المحيطة كلها معاكسة ومضادة للالتزام الديني ؟!

حاولت البحث عن الجواب من حولي فلم أجده ، فحاولت بحثه في داخلي : لماذا أنا مسلم ؟

فلم أجد إلا زفرة تخرج حارة من صدري وتقول :

لا إله إلا الله

لا إله إلا الله

لا إله إلا الله .

عندها تنهدت وأسقط في يدي ، فها أنا ذا عاجز أمام ” لا إله إلا الله “ ، أفكر طويلاً ثم أجد نفسي تنطق بها لا إرادياً ، فلماذا ألوم الناس على عجزهم أمامها .

كنت ألومهم ، ثم أصبحت أقول : فلتتحرك الدينا وتتبدل كما شاءت ، ولتتقلب أحوالها كيفما أًريد لها ، فهذا لن يضيرني ما دمت واثقاً بالله الخالق ، الواحد الأحد ، الفرد الصمد : {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة : 105] . إن كنت مؤمناً بربي عاملاً بديني ـ ومن ذلك العمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ فلن يضرني مكر الماكرين وفساد المفسدين .

إذا سار العالم كله إلى الهاوية ، وانحطت أخلاق البشرية إلى القاع ، فإن الله جل جلاله تعهد بحفظ دينه وحفظ من يقوم بأمر دينه ، قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه ، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [المائدة : 54] ، وقال صلى الله عليه وسلم : ” لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك “ [متفق عليه] .

ها أنا ذا أكرر كلماتهم دونما شعور مني ، وكأنني وجدت الإجابة التي كنت أبحث عنها في داخلي ، ليترسخ معنى جديد جاء به حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ” مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ؟ ثُمَّ يَقُولُ : {فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم : 30] “ [متفق عليه] .

إذا كانت الدنيا كلها ترسخ النصوص الدينية للإسلام وتشهد بصحتها ، وقلبي يتحرك لا شعورياً إليها ، فلماذا الإنكار إذن ؟! وإلى متى سنبقى بعيدين عنك يا ربي ؟! فنحن الضعفاء المفتقرون إليك ؟! محتاجون لعفوك وكرمك وقوتك ونصرك وتأييدك ؟! لا نترك اتخاذ الأسباب ، لكنك أنت مسبب الأسباب ، وأنت قلت للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فكانت كذلك كما أمرت ، ذكرت ذلك في التوراة والإنجيل والقرآن ، آمنا بك وبرسلك وكتبك كلها ، لا نفرق بين أحد منها ، فلا تمنعنا جودك وكرمك .

كنتُ تائهاً في أول كلماتي فأرشدتني في آخرها إليك ، فكما أرشدتني فأرشد جميع البشر والخلائق ، وكما شرحت صدري فثبتني وثبت جميع المؤمنين بك .

ولكن .. إلى متى ستستمر هذه العلاقة بين المسلمين ودينهم ؟! إلى متى سيبقى الإسلام سيد الموقف في حياة المسلمين ؟!

إن تلك العلاقة باقية ما بقي مسلم في الوجود ، والواقع يشهد أن المسلمين في ازدياد يوماً بعد يوم ، والنص الشرعي يذكر أن الطائفة المتمسكة بالحق باقية إلى قيام الساعة ، والقلب يشهد بفطرته على وحدانية الله قبل الواقع والنص ، وقبل التفكير أيضاً . فإذا أراد الله لنوره أن يبزغ في قلب من القلوب فسيضيء ولو كان القلب أسوداً حالكاً ، فالشمس إذا أشرق نورها تطلع على الكون كله ولا تفرق بين مسلم وكافر ، وما دامت القلوب تنبض بالحياة فسيضيء منها نور الإسلام ولو بعد حين .

Exit mobile version