Site icon أ.د. إبراهيم عبد الله سلقيني

الشهيد عمار داديخي الذي عرفت

كانت بداية تعرفي عليه عندما اتصل بي صديق أثق به كثيراً، وقال:
يوجد شخص اسمه عمار داديخي (أبو إبراهيم)، وقد جاء إلى كلس بسبب إصابته، وهو نشيط جداً ومخلص ومتدين وعلاقاته جيدة مع الأكراد، فإذا كنت ترغب بزيارته.
فذهبت لعيادته ففوجئت بأنه يعرفني، مع أنني لم أظهر بوضوح حينئذ.
ففرغ الغرفة وسألني عن خمسة من طلبة العلم كان يستعين بمشورتهم، وكان منهم: الشيخ الشهيد يوسف عشاوي، والشيخ الشهيد محمود الجبان.
ثم شرح لي عن المعسكر الجديد الذي قام بإنشائه، والذي كان أول معسكر في سوريا، وفيه مسجد وخمسة طلبة علم في مقابل 40 عنصر، وهي نسبة عالية جداً، وفيه 3 عساكر منشقين يسترشد أبو إبراهيم برأيهم عسكرياً.
كنت يومها متحفظاً جداً؛ فقد كنت أسمع فقط لأدرس شخصيته، ولا أتكلم بكلمة واحدة.
خرجت من عنده وبدأت أسأل عن الأسماء التي ذكرها لي، وتأكدت من المعلومات التي سمعتها بنفسي، فلم أكن أثق بأحد.
لقد كان رحمه الله يهتم كثيراً بالاختصاص، حتى أنني عندما طلبت منه ضرورة تأسيس مجلس محافظة بهدف: خدمة المدنيين، وعدم إشغال العسكريين بمشاكلهم، وصيانة أعراض المجاهدين من ألسنة الناس، فأرسل معي على الفور وفداً لزيارة الشيخ عبد الله عثمان في بيته للقيام على هذا الأمر فوراً، لكننا لم نجده. وكانت الأجواء مساعدة يومها، فلم يكن منافقو الثورة وزنابيرها قد رفعوا رؤوسهم يومها!!!
في الزيارة الأولى لمعسكره فوجئت بشيخ يرتدي جبة جاء من خارج المعسكر، وقد كان الشيخ الشهيد يوسف عشاوي الذي كان يأتي من عزاز بشكل شبه يومي لوعظ العسكريين، مع أن عزاز كانت محتلة بالكامل يومها!!!
وكان يستضيف في معسكره أحرار الشام، وقد رأيتهم هناك. واشترط عليهم شرطين: أن يكون الوعظ لمشايخنا، وألا يظهر الاتجاه الديني داخل المعسكر على وسائل الإعلام.
وبما أن أسهل طريقة للوصول للإنسان هي أطفاله الذين لا يكذبون، فقد عرفته على شيخ صالح تواصل مع أبنائه وأصبح يدرسهم عن طريق النت، وعرفت منه حقيقة الرجل!!!
هو محافظ على الصلوات بشدة، ويجلس مع أبنائه كل يوم بعد صلاة الفجر ويحكي لهم قصة أحد الصحابة، فهم يعرفون قصص كل الصحابة، ولا يسمح لهم بأخذ النقود التي تأتي هدية مع أكياس البطاطس.
لم يكن يقوم بعملية عسكرية إلا بعد تخطيط محكم جداً حرصاً على حياة عناصره، وحرصاً على نجاح المعركة. فكانت المنطقة التي يحررها لا يستعيدها النظام أبداً.
وقد كان عناصره يحبونه حباً جماً.
رحلتي الأولى خارج عزاز كانت برفقة الشهيد أبو جعفر الذي قتله الخوارج، وكانت عزاز يومها محتلة بالكامل من النظام، والحواجز الطيارة لا تتوقف، فقد أخذني إلى مارع لمقابلة أبو سارية رحمه الله تعالى، وكان هدف اللقاء النقاش في حكم التعامل مع الشبيحة، وقد كان يومها يحمل فكراً متشدداً جداً، لكنه تغير مع تجربة المحنة.
ورجعت مع الشهيد أبو زكي دربالة رحمه الله تعالى.
وفي طريق الذهاب كنت أفكر بكم سيبيعني للنظام، وبالأخص لقبه “أبو جعفر” أخافني، لكنني اكتشفت أنهم أقوام من عالم آخر، فقد أبلى رحمه الله بلاء حسناً، فهو قناص بستان الباشا رحمه الله بلا منازع.
كان يحصل على التمويل من إحدى دول الخليج، وعندما جاءت الأوامر الغربية انقطع التمويل، فانهار لواء التوحيد وعدد من الكتل العسكرية، وبقي هو على إنفاقه لا زيادة ولا نقصان، مع توقف التمويل.
فجاءه عدد كبير من العناصر من الألوية الأخرى للانضمام له فرفض بأدب، وعندما يخرجون يقول: هؤلاء مرتزقة لا ينفعوننا. وجن جنون الدولة الممولة لتعرف من أين ينفق، وقد كان لديه نظام محاسبي دقيق جداً، فكان ينفق الثلث ويوفر الثلثين، فاستمر بذلك على إنفاقه.
عندما كانت مجموعتهم تدير معارك بستان الباشا لم تتحرك إبرة من مكانها، حتى إن عنصراً أخذ قداحة من بيت ليشعل سيجارته ونسيها معه، فانسحب الشباب وعاد هو ليعيدها، وعنصر آخر أخذ مشطاً ليسرح شعره، فأمره شيخ المجموعة بإعادته.
وبعد خروجهم من بستان الباشا بسبب هجوم أحمد عبيد على عزاز (وليس على المعسكر) ليستهدف ظهور المجاهدين وعوائلهم، فجاءت مجموعات نظفت بستان الباشا ولم تترك فيها إبرة!!!
وبمناسبة صراعه مع أحمد عبيد فقد كان يتفادى كثيراً المواجهة معه، وكان يقول: إذا تحركت الدماء بين المجاهدين فلن تتوقف. وكان يوصي عناصره بعدم استهدافهم بالنار، واستخدامها فقط في الهواء للتخويف، إلا في حالة الاضطرار والحصار، فحينئذ وجهوا سلاحكم للأرجل، ولا توجهوها في مقتل. وهذا كان سبب إصابة أبو كامل في ركبته في مواجهة بين الطرفين، ونسأل الله أن يفك أسره، فهو معتقل عند داعش هو وعبدو أبيض بسبب خيانة أحمد عبيد لهما.
وقد اتخذ عمار داديخي قرارين بشأن خلافه مع أحمد عبيد:
1- استخدام سياسة الرعب والتخويف الإعلامي مع أحمد عبيد، فهو يعلم أنه جبان لم يشارك في أي معركة في عزاز، ويقول عبيد دوماً: خلوا بيننا وبين النصيرية. في حين كان في مخيم كلس يوم تحرير عزاز والمعبر!!! فسياسة الرعب كافية معه، فدفعته خسته لتأليب أمن الثورة وتحريك الفتنة تهرباً من المواجهة.
2- استقطاب عناصر أحمد عبيد المخلصين، وهذا ما أشرت عليه به.
من أفضل قراراته المدنية بعد تلكوء الناس في تأسيس مجلس المحافظة:
1- فصل الإغاثة عن العسكرة بشكل كامل، وقال لهم: لكم مني مساعدة لمدة ستة أشهر، وخلال هذه المدة تعلموا الاعتماد على أنفسكم كمؤسسة.
2- فصل إدارة المعبر عن الإدارة العسكرية، وحاولنا كثيراً ربط المعابر، لكن كل كتلة عسكرية دولة يرأسها ثور يظن نفسه على الحق!!!
3- أسس مجلس مدينة في عزاز عندما عجزنا يومها عن تأسيسه على مستوى حلب.
مطار منغ:
كانت عوائق المطار محصورة في ثلاث قواعد محصنة محيطة به، فإذا تمت إزالتها سيكون تحرير المطار مسألة وقت بعد أن يموت العناصر من الجوع.
ولم يستشهد رحمه الله إلا بعد أن أزالها، فكانت أبعد نقطة رباط للشباب على بعد عشرة أمتار من السور.
وخسرت عزاز خيرة شبابها في تلك المعارك، من أمثال عمار داديخي وهادي صالو ومحمد حج عموري (سبع الليل) وقدور أحمد يورم والشيخ سمير عكاش ومحمد دنون ومصعب حنظل ومحمد عثمان حداد وأحمد حكيم وعلي حلاق ومحمد بريمو وعمار حج عموري وحميد محمد السيد علي وأحمد الصالح وعبد القادر مختار صيادي وعلاء رحال أحمد محمد عشاوي ومالك جعجع ومجد صيادي وعاطف شيخ إبراهيم ومحمد ندوم ومحمد حاج عثمان وياسين قدور ومنهل السوسي ومحمد صبري كنو وحسين منلا عمر ومصطفى شيخو وشريف زكي دربالة وطارق عصام حموش.
ويظهر من التقرير التالي كيف أنهم جميعاً يضعون على رؤوسهم راية التوحيد أثناء المعارك:

فهؤلاء الذين يريد كلاب أهل النار استئصالهم، في حين لم يشارك أي كلب من كلاب أهل النار في تلك المعارك.
وفي معركة التحرير المزعومة اتفقت داعش مع النظام على تهريب قيادات المطار إلى عفرين، فاختاروا يوماً لا قمر فيه للمعركة التي ليس هنا مجال ذكر تفاصيلها!!!
وكانت الخطة التوجه بعد المطار إلى نبل والمغاولة فوراً، لكن داعش قتلت الشيخ يوسف عشاوي يوم التحرير وسرقت سيارته، ثم أشعلت الحرب على المجاهدين ليتوجهوا للشرق بدلاً من الغرب كما نرى اليوم!!!
كان له عيون داخل المطار، وبعضهم فجر مستودعات الوقود في المطار وانشق في العملية المشهورة، وبعضهم أخبروه بموعد خروج قائد المطار، فحاول استهدافه بصاروخ كوبرى، لكن الصاروخ مر بجانب الطائرة ولم يصبها، وقد أطلق الصاروخ يومها سبع الليل رحمه الله تعالى، وقد حزن كثيراً لعدم إصابته للهدف.
لقد كان يهتم كثيراً بالمشورة، وبالأخص من أهل الاختصاص، حتى إنه ربما يستشير أكثر من عشرين شخصاً، وعنده حلم وأناة عجيبين، حتى إنه ربما أخَّرَ قراره أكثر من شهرين حتى يتأكد من صوابه.
فكنت أطمئن كثيراً لقراراته، حتى وإن فعل بخلاف ما أشرت عليه.
كانت لعمار داديخي مجموعة من العبارات المشهورة التي كان يكررها كثيراً، مثل قوله:
1- هذه الثورة لن تنجح دون أرضية دينية…
2- دروشة الحجاج لا تنفع، يجب إخفاء التوجه الديني حتى نصبح أقوياء؛ لأن العالم كله يحاربنا، والعالم كله منافق يسير وراء مصالحه. وكان يقول: تصريحات الحجاج ستغضب الدول الإسلامية المتأسلمة أكثر من إزعاج الدول الغربية.
3- الناس هي التي تصنع الفراعنة. وأول مرة سمعتها منه عندما كنت أقوم بدورة لبعض الشرعيين عنده بعد كثرتهم، فمدحه أحدهم بشكل يزيد عن حده، فقال لي هذه العبارة بعد خروجه، وقال أيضاً: ما الذي استفاده من مدحي؟!!
وهذا الشيخ لم يعد له أثر في محنتنا هذه…
4- النظام أذل طلبة العلم الشرعي المخلصين، ونحن يجب أن نعزهم حتى يكونوا قدوة للعوام؛ لأن العوام يتأثرون بالمظاهر.
5- يجب استثمار العقول وأصحاب الشهادات، فالدولة لا يديرها بضعة أشخاص.
6- حلب مختلطة، وواجب قتل شبيحتها يقع على أهالي القرى التي خرج منها الشبيحة، فهم يعرفونهم. قال ذلك عندما أصيب أثناء إلقاء القبض على شبيحة عزازية عائدين من حلب.
وعندما أصيب إصابته الأخيرة بحثنا عن جراح أوردة فلم نجد إلا في جرابلس، واعتذر عن الحضور بسبب وجود حالات حرجة لديه. فهل يعقل هذا في دولة تُصَدِّر الأطباء لكل العالم؟!!! أم إن الجهاد محصور في عوام الناس؟!!!
كان يرفض العلاج في تركيا بشدة، وقال لهم قبل أن يدخل في غيبوبة: الذي ينقلني إلى تركيا اقتلوه بمسدسي هذا!!!
فلما دخل في غيبوبته لم يجرؤ الشباب على نقله إلا بعد استشارتي؛ لأنهم يعلمون أنه يحترمني جداً ولن يغضب علي…
ولا أدري هل كان قراري صائباً أم خاطئاً بنقله، لكنني متأكد – أنه مهما كانت أسباب رفضه ونتيجة نقله – فهما قراران نهايتهما الموت، فرأيت أن قرار نقله موت مع اتخاذ الأسباب، وبقاؤه موت دون اتخاذ الأسباب.
ومع أن رجله سبقته إلى الجنة، وتحسنت حالته بعد ذلك، إلا أنه مات بذبحة صدرية.
وتم إخفاء مكان دفنه خوفاً من تقديس المحبين ومن إساءة المبغضين، وبالأخص المخابرات الإيرانية واللبنانية…
الشيء الوحيد الذي أعطاني إياه وأخذته منه هو جوال سامسونج نوت 2، فقد ذكرت أمامه أن أحد أصدقائي في حلب دخل في حاجز للنظام بالخطأ، فقال لي: هذا يساعدك في الحركة بالليل حتى لا تقع في مناطق النظام بالخطأ عن طريق GPS…
فأخذته جبراً لخاطره، ثم سلمت قيمته كتبرع لمحاسب اللواء دون أن يعرف…
ومع أنه كان غاية في التواضع، إلا أنني لم أكن أمدحه طوال حياته خوفاً عليه من دخول الكبر في قلبه.
تعرض لحملة إعلامية شرسة بسبب اللبنانيين، وشاركت في الحملة: إيران ولبنان والعراق والأردن وشيعة السعودية، بالإضافة لببغاءات الثورة التي تردد كل ما تسمع دون أن تستوثق وتتأكد، وبالطبع شارك فيها داعشي الثورة الأول “أحمد عبيد” الذي أشعل أول فتنة بين المجاهدين ودعا لسفك الدماء وللاقتتال بينهم بسبب التكفير بلا أدنى دليل.
وكل ما قيل عنه كذب لا أصل له…
فأسأل الله له الرحمة، ولكل الشهداء المخلصين، وأن يشفعهم فينا…
وأسأل الله الحفظ والنصر لمن بقي من المجاهدين…
وأبشركم أنهم باقون على العهد مهما أشاع المرجفون والمغرضون والمخذلون:
{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}.

Exit mobile version