بدأ الفيلم باتصال أحمد عيسى مدير أوقاف حلب بذاته بي بعد خطبتي في جامع أويس وبعد وفاة عمي، وقال:
نريد أن نزور وزير الأوقاف عبد الستار السيد في دمشق؛ لأنه يريد أن يتعرف عليك…
تفاجأت بكلامه، فقلت له:
سأستشير والدي؛ لأنني لا أبرم أمراً دون مشورته.
وبعد أن أغلقت سماعة الهاتف أصبحت الأفكار تتطاير في رأسي يميناً وشمالاً؛
هل سيسلمني للمخابرات؟!!
هل المقابلة مع الأسد وقال ذلك تمويهاً؟!!
هل سيشد الوزير بنفسه أذناي لأفهم أن الأمر لم يعد لعبة؟!!
ثم اتصلت بوالدي فكان الجواب كما توقعت وأردت:
حاول التهرب ما أمكنك ذلك.
فاتصلت بأحمد عيسى وقلت له:
الطريق إلى دمشق مقطوع.
فقال: سنذهب بالطائرة.
قلت: لا توجد حجوزات.
فقال: نحن سنؤمن الحجوزات.
قلت له: بصراحة يا شيخنا؛ راتب الأوقاف كله على بعضه 5000 ل.س. فمن أين سأجد 1000 ل.س. أجرة الطائرة؟!!!
فقال:
ستسافر على حسابنا.
أدركت أنه لا مفى فقلت له: الخير فيما اختاره الله.
بعد يومين اتصل بي وقال:
سنسافر غداً الساعة كذا فجراً.
جاء بسيارته الفارهة – ولا أعرف بأنواع السيارات – مع السائق وذهبنا إلى دمشق بالطائرة.
في دمشق وضعني في غرفة فيها شخص آخر نائم!!!
وكان هذا أمر غريب ومستهجن، فظننت أنه سيتم اغتيالي فيها، فلفظت الشهادتين ونمت.
وفي العاشرة استيقظت واكتشفت من أسئلة الرجل أنه مهمته استدراجي بأحاديث وحوارات عرضية كوظيفة متممة لفريق المخابرات المحيط بي من كل جانب في الرحلة.
سألني عن اسمي وسبب وجودي: فقلت له اسمي، وأنني جئت في أمر شخصي مع الدكتور أحمد عيسى.
فسألته عندها عن اسمه وسبب وجوده في دمشق، فتبين أنه تاجر اسمه فواز العجوز، وادعى أنه جاء لمعاملة خاصة به عند وزير الأوقاف.
ثم أفطرنا في الفندق وذهبنا إلى وزير الأوقاف، وهناك استقبلنا بدبلوماسية واضحة، ودخل فواز العجوز معنا إلى غرفة الوزير، مع حساسية الموضوع الذي سنتكلم فيه!!!
وكان يجلس في مكان يراني فيه ولا أراه، وكانت مهمته مراقبة حركاتي وسكناتي وردات فعلي، والتدخل أحياناً لتغيير مسار الحديث!!!
بقي الوزير يتكلم ساعة عن المخطط الدولي لضرب سوريا، وأننا لا يصح أن نكون جزءاً من هذا المخطط دون أن نعلم.
وحسم الأمر بضرورة إغلاق صفحتي الفيس بوك…
ثم مهد لقدوم موظف كبير من المخابرات الجوية، وأنه سعى بكل جهده أن يكون اللقاء في مكتبه وليس عندهم حتى لا يسيؤوا إلي في طريقة أخذي من بيتي!!!
فشعرت أنه تهديد مبطن وواضح…
جاء موظف المخابرات الجوية الذي اكتشفت لاحقاً أنه أبو النور سالم سالم..
هو نصراني ومدير شعبة الأديان في إدارة المخابرات الجوية في دمشق…
عندها اعتذر الوزير بسبب اجتماع هام له، وخرج من الباب الخلفي.
ثم بدأ موظف المخابرات حديثه بالوقوف وضرب برجله الأرض عدة مرات وهو يصرخ ويقول:
سأدوسك بقدمي هذه…
وهو مستمر في صراخه وتوبيخي…
وأنا متمدد على الأريكة ومسترخي (بالعامي يقولون: منجعي)…
وعلمت لاحقاً أنه يفخر كثيراً بقدمه هذه لأنه دعس وركل بها وبشدة أحد أئمة جوامع دوما من قبل!!!
وعندما شعر فواز العجوز بأن هذه الطريقة لا تجدي تدارك الأمر وقال:
يا أبو النور (يعرف اسمه)؛ هذا دكتور جامعة، وعيب هالحكي اللي عبتحكيه، أصلاً أسلوبكم هاد هو اللي خرب البلد!!!
يحضر جلسة كهذه، ويعرف اسمه، ويقول ذلك بموانة زائدة ودون خوف كأنهم شلة واحدة!!!
عندها انقلب أبو الظلام 180 درجة وقال:
لا تؤاخذني دكتور، فأنا لا أنام كل يوم إلا 5 ساعات.
فقلت له:
عندما تتكلم مع أستاذ جامعي يجب أن تنام 5 أيام.
فانفعل مرة أخرى وقال:
هل تهدد؟!!
فقلت له: أنت مسؤول عن وطن، ولا يصح أن تتعامل بانفعال مع الأمور، فتصور لو كان أمامك دكتور مجنون وغضب لنفسه ولم يقدر المصلحة العامة، فسيخرب البلد بسبب كلامك السابق.
فقال لي:
الحق عليك دكتور، فأنت في صفحتك الفيس تهز أمن الوطن.
فقلت له:
لقد اتفقت مع الوزير بشأن الصفحة، لكن إذا كان صعلوك مثلي سيهز أمن الوطن ببضع كلمات فهذا يعني وجود مشكلة في الوطن يجب حلها.
كما أنني لا أكتب في السياسة أبداً في صفحتي.
قال:
أنا متأكد أنك تتكلم في السياسة.
فقلت له:
هل فتحتها أو قرأتها؟!!
قال:
لا، لكن وصلتني تقارير بذلك…
فقلت له:
هذا من مشاكلكم، أنكم تعتمدون على تقارير كاذبة.
فقال:
أنت تتكلم عن فرعون كثيراً، والناس تظن الكلام عن السيد الرئيس.
فقلت له:
وما ذنبي أنكم جهلتم الشعب 40 سنة، فأصبح يفهم الكلام بالمقلوب؟!!
فغضب كثيراً وكظم غيظه بقوة؛ لأنه أدرك أنه لا فائدة من الترهيب، فتحول للترغيب وقال:
يا دكتور؛ ما رأيك أن أعد لك مع السيد الرئيس أنت ومجموعة من الشباب أصحاب العقل والحكمة، وتشرحوا للرئيس وجهة نظركم، وهو متفهم وأنا متأكد أنه سيستجيب لكل طلباتكم. لكن لا تأت بأحد من طلاب أو مريدي: أحمد حسون، وصهيب الشامي، ومحمود الحوت، ومحمود العكام، وأبو الهدى الحسيني.
فشعرت أنهم يشكون بوجود شبكة من الشباب خارج أنظارهم ويريدون كشفها، وأنها من الشباب الذين لم ترصدهم تقارير عناصر المخابرات الذين أدركتهم الشيخوخة!!!
فقلت له:
أخي؛ أنا أعتذر عن ذلك؛ لأنني اعتزلت…
فقال لي:
لا يصح ذلك يا شيخ، المؤمن القويخ خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف…
فقال فواز العجوز:
يا أبو النور؛ اترك الدكتور يشرح وجهة نظره في الموضوع، ولا تستلم الحديث من أوله لآخره، شو بدنا نتعلم الشرع منك ولا من الشيخ؟!!!
تفضل شيخي شو نظرتك للوضع؟!!!
فقلت لهم:
جميع الأطراف يفتحون على أنفسهم أبواب جهنم، والعاقل الذي لا يصيب دماً حراماً، ويستطيع أن يطفئ الأزمة بأقل الخسائر…
حاول وراوغ كثيراً لعله يقنعني بزيارة الرئيس فلم يفلح، وانفض الحديث بعد عودة الوزير بعبارة موظف المخابرات:
أراك متشائم جداً يا دكتور.
فقلت له:
بل أفهم الواقع جيداً، وأدرك خطورة ما يحصل…
استغرق اللقاء قرابة الساعة عدا الساعة مع الوزير، وأحمد عيسى جالس لا ينبس ببنت شفة!!!
ثم ذهبنا إلى الفندق، وسأروي في الحلقة القادمة قصة العودة إلى حلب!!!
