4 جمل عمرية تغني عن موسوعة في علم النفس: تربية الأولاد في الإسلام لكل مرحلة ما يناسبها

في جريدة الخليج الإماراتية ص 5 – ع 9420 – بتاريخ 23/ 1/ 1426هـ – الموافق 4/ 3/ 2005م:

أولادنا بهجة الدنيا وزينتها .. نمنع عن أنفسنا اللقمة ليأكلوا أحسن الطعام ، ونوفر على أنفسنا في الثياب ليلبسوا أحسن الثياب .. بل ربما نموت ليحيوا .. فهل يبخل أحدنا بعد ذلك على حشاه ..

إنمــــا أولادنــــا بـيـنـنــــا

أكبادنا تمشي على الأرض

لو هبت الريح على بعضهم

لامتنعت عيني من الغمض

[من شوارد الشواهد صـ 27]

إذا كنا نخاف عليهم من النسمة أن تجرحهم ، أفلا نخاف عليهم من لهيب جهنم .. قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لايعصون الله ما أمرهم ويفعلون مايؤمرون } [التحريم : 6] .. إذا كنا نحب لهم خير الدنيا ونكره لهم شر الدنيا ، فلماذا لا نحب لهم خير الآخرة ونكره لهم شرها ؟! لماذا لا نحجز لهم غرفاً في جنان الآخرة ؟!! لماذا لا نبعدهم ـ ولو خطوة واحدة ـ عن نار جهنم ؟!! هل هذا تقصير منا ، أم أننا أيقنا بالحياة الدنيا المشاهدة وغفلنا عن الآخرة فلم نؤمن بها إيماناً يقينياً حتى الآن .

بعض الناس يقول : إن مشاغل الحياة قد صرفتنا عنهم .. فهل اللقمة تطعمهم إياها في الدنيا أولى ، أم لقمة زقوم تصرفها عنهم في الآخرة أولى ، أم أن الذي شغلك متاع زائل ولهو آني يمضي فور حصوله .. أتصبر على زبون يأتيك في المتجر فتسايسه وتجامله لكي يشتري ، ولا تصبر على تربية فلذة كبدك ، قال تعالى : { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } [طه : 132] .

تربية الأولاد واجب شرعي على الأب والأم معاً ، يقول الرسول % : ” كلكم راع ، وكلكم مسؤل عن رعيته ، الإمام راع ومسؤل عن رعيته ، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها “ [البخاري ، ومسلم] . وهل الرعاية إلا أن ننشئ أجيالاً صالحين في المجتمع ؟!

أسهل أساليب التربية

والسؤال الذي يتبادر إلى ذهن كل والد ووالدة يريدان أن يجعلا من أبنائهما عظماء فاعلين في المجتمع هو : كيف نربي أولادنا ؟! هل نربيهم بالضرب ؟ أم بالصراخ ؟ أم نترك تربيتهم للخادمات لنفاجأ بعد سنوات أن ثقافة أبنائنا مختلفة عن ثقافتنا ، وأننا لا نستطيع التحاور معهم ؟! أم نربيهم تربية حديثة ؟! أم نترك التربية عملية عشوائية !! نخطط لطعامنا وشرابنا ولا نخطط لأخلاق أبنائنا وعقيدتهم !! إن التربية بالضرب والصراخ دون منهجٍ محدد في التربية لا تؤدي إلى شيء ، بل على العكس ، ربما أدى الضرب إذا كان في حالة غضب ودون تفكير إلى اتجاه الابن للسلوك المشاكس والعناد .. أما إذا أردت أن تربيهم تربية حديثة فما عليك إلا أن تقرأ عدة مجلدات ، في السلوك الإنساني ، ومجلدات أخرى في علم النفس ، وبعض الكتب في مراحل النمو ؛ كل ذلك لكي تستوعب العبارات المكتوبة في كتب طرق التربية الحديثة !! إنني لا أنتقد تلك الكتب ففيها علم نافع غزير ” والحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها أخذها “ ، وهي كأي عمل إنساني لا تخلو من الأخطاء . ولكن أليست تربية أفراد صالحين في المجتمع حق لجميع أفراد الأمة ؟! فلماذا نجعلها حكراً على المختصين في علم النفس وعلوم التربية الحديثة ؟!

لماذا نقرأ كل هذه الكتب ونترك شرعنا الذي يسره الله للمتعلم والأمي وقد اختصر لنا التربية في أربع جمل فقط ؟!! أربع جمل ؟!! نعم .. إنها أربع جمل يستطيع الأمي تطبيقها ، وبوسع العالم أن يستخرج منها علماً كاملاً إذا وعى نصوص الكتاب والسنة . فهل بوسع علماء التربية المعاصرين أن يختصروا علمهم في أربع جمل .. إنها جمل قالها الرجل الملهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ويحق لنا أن نخطها بحروف من نور ، وأن نتمثل بها جميعاً .

تلك الجمل هي : ” لاعب ابنك سبعاً ـ أي سبع سنين ـ ثم أدبه سبعاً ، ثم صاحبه سبعاً ، ثم دعه فشأنه شأن الرجال “ . عبارةٌ قالها الفاروق فجمع فيها أصولَ التربية الإسلامية المعاصرة .. هنا يصرخ في وجهك أعداء عمر فيقولون : ومن متى كان الشرع يؤخذ من فم عمر ؟! إن عمر لما قال هذه العبارة لم يقلها من مخيلته ، فالوحي لا ينزل على عمر رضي الله عنه .. إن هذه العبارة التي أيدها العلم الحديث لم يقرأها عمر من كتب التريبة المعاصرة ، ولم يقتبسها من معلقة امرؤ القيس .. لقد اقتبس الخليفة الثاني تلك العبارة من نصوص الكتاب والسنة التي أصبحت جزءاً من منهجه في الحياة .. فكل جملة من هذه المقولة هي خلاصة لعدد من الآيات والأحاديث . كيف لا وقد تربى رضي الله عنه في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم . تلك العبارات هي :

” لاعب ابنك سبعاً “

لاعب ابنك سبعاً ، لأنه في تلك المرحلة بحاجة إلى الإشباع العاطفي ، وذلك يتحقق بملاعبة الطفل وعناقه وتقبيله وإشعاره بأكبر قدر من الحنان ، فإذا فقد الطفل أحد والديه في هذه السن صار يتيماً بفقده عاملاً مهماً من عوامل بناء الشخصية . أضف إلى ذلك أن اللعب مهم لتنشيط نمو القدرات الحركية وقوى الملاحظة لدى الطفل . فلماذا نبتعد عن أبنائنا ونتركهم أيتاماً ونحن أحياء ؟!! فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قَبَّلَ النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما ، فقال الأقرع بن حابس : إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً . فقال صلى الله عليه وسلم : ” أو أملك إن نزع الله الرحمة من قلبك “ [البخاري ، ومسلم] . بل كان الرسول صلى الله عليه وسلم ـ عظيم هذه الأمة ـ يضع الحسن والحسين رضي الله عنهما على ظهره الشريف ويقول : ” نعم الجمل جملكما ، ونعم الحمل أنتما “ ، فلماذا يتكبر أحدنا عن ملاعبة أبنائه .

” ثم أدبه سبعاً “

هل يكون التأديب بالضرب فقط ؟! أم بالصراخ ؟!

لا هذا ولا ذاك .. بل يكون بالأمر اللطيف اللين ، كما يؤخذ الطفل في تلك المرحلة بالمحاياة ، فعن عمر ابن أبي سلمة ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنت غلاماً في حَجْرِ ـ أي : في كنف وحماية ـ الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكانت يدي تطيش في الصحفة ، فقال لي صلى الله عليه وسلم : ” يا غلام سم الله تعالى ، وكل بيمينك ، وكل مما يليك “ ، فما زالت تلك طِعمتي بعدُ [البخاري ، ومسلم] . وقال صلى الله عليه وسلم : ” مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع “ [أبوداود ، وأحمد] . فأمره بالصلاة يبدأ في السابعة ، وضربه على ترك الصلاة في العاشرة ، أي بعد ثلاث سنين من بداية الأمر ؛ فكيف يضرب أحدنا ابنه على كسر طبق وهو دون السابعة ؟! وهل الطبق أهم من الصلاة ؟! إنها ثلاث سنوات تستخدم فيها كل الأساليب من الترغيب والتشجيع ، ثم الترهيب والتهديد بالحرمان من أمور يحبها الطفل ، وعندما يبلغ العاشرة تضربه . ولكن لا تضربه وأنت غضبان فتؤذيه ، بل تضربه وأنت متظاهر بالانزعاج والغضب ، ويكون الضرب غير مبرح ولا تكثر منه . بل إن أعظم وسائل التربية تأثيراً في تلك المرحلة هي التي تعقب إشعار الطفل بذاته وبأن له شخصية مستقلة ، فعن أنس ^ أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله [البخاري ، ومسلم] .

” ثم صاحبه سبعاً “

” لاعب ابنك سبعاً ، ثم أدبه سبعاً ، ثم صاحبه سبعاً “ . الآن في سن المراهقة يكون الفتى أكثر إعراضاً عن أوامر ونواهي الآخرين ، لأنه يريد أن يثبت ذاته ، ويريد أن يتخذ قراراته بنفسه ، فتبدأ مرحلة المصاحبة والوعظ .. تبدأ مرحلة الحوار والنقاش الهادئ والإقناع . وأعظم دليل في ذلك وصية لقمان الحكيم لابنه ، والتي بدأها بقوله : { يا بني } عبارة إشفاق وعطف ورحمة : { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } ، إلى أن قال : { يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أوفي السماوات أو الأرض يأت بها الله ، إن الله لطيف خبير . يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك ، إن ذلك من عزم الأمور } [لقمان : 13-17] .

” ثم دعه فشأنه شأن الرجال “

بهذه الجملة كانت نهاية عبارة الفاروق رضي الله عنه . الآن وقد ناهز العشرين لا يجب في حقك إلا النصيحة التي تجب لكل مسلم ، فإن استجاب فبها ونعمت ، وإن أبى فما لَكَ عليه من سبيل . وكيف لك أن تسوي اعوجاج نخلة لها من العمر إحدى وعشرين سنة ؟! لقد كان لديك الكثير من الوقت سابقاً لتأديبه فانشغلت عنه ، فماذا عساك أن تفعل الآن ؟!

هذه هي المقولة العمرية : ” لاعب ابنك سبعاً ، ثم أدبه سبعاً ، ثم صاحبه سبعاً ، ثم دعه فشأنه شأن الرجال “ ، هذه رؤيتي ـ وأنا الفقير بعلمي ـ لهذه المقولة ، فاسألوا عنها علماء النفس وعلماء التربية وعلماء السلوك : هل تكفيها مجلدات ؟! ثم أخبروني بالله عليكم : هل في شرائع الأرض كلها ما يوازي تلك التشريعات ؟! سؤال يجب أن يسأله كل إنسان لنفسه ألف مرة ؛ ليعلم غير المسلم ما هو الإسلام ، وليعلم المسلم كم هو مقصر في حق هذا الدين العظيم !!

Advertisements

اكتب رداً

WordPress.com