عذراً حبيبي يا رسول الله

مقالة في جريدة الخليج الإماراتية ص 7 – ع 9441 – بتاريخ 15/ 2/ 1426هـ – الموافق 5/ 3/ 2005م:

يقول الله تعالى: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم } [التوبة: 128-129] شديد عليه مشقتكم، حريص على هدايتكم { بالمؤمنين رؤوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم } هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم { بالمؤمنين رؤوف رحيم } .

لم ترد في القرآن آية تذكره صلى الله عليه وسلم إلا وربطته بالرسالة والتشريع، { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } [آل عمران: 164]. مدحه القرآن بالرسالة { محمد رسول الله } .. مدحه بالعبودية الحقة لله { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى } [الإسراء: 1].. مدحه القرآن بأخلاقه { وإنك لعلى خلق عظيم } [القلم: 4] « كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن » هكذا وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها…

الإسلام الكامل

كان صلى الله عليه وسلم صورة حية عن الإسلام الكامل.. هو الإسلام حين يتكلم، وهو الإسلام حين يسكت، وهو الإسلام حين يرضى أو يغضب، وهو الإسلام حين يتحرك.. هو تشريع كامل يعيش بيننا في صورة إنسان… من عرف ذلك وآمن به إيماناً جازماً فقد عرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن لم يعرف ذلك فلا حاجة له أن يدعي محبته.

{ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيراً } [الأحزاب: 21] نعرفه صلى الله عليه وسلم بمعرفة أقواله وأفعاله.. نحبه صلى الله عليه وسلم بجعله نموذجاً نقتدي به في كل تصرفاتنا، بل وفي مشاعرنا وأحاسيسنا.. تعظيمه تعظيم للشرع، وحبه حب لله سبحانه، وطاعته طاعة لله: { فالذين آمنوا به وعزروه (أي وقروه) ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، أولئك هم المفلحون } [الأعراف: 157].

لم ترد آية في القرآن تأمر بطاعة الله، إلا وجاء معها أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: { قل أطيعوا الله والرسول } [آل عمران: 32]، وقال سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } [النساء: 59]. نعظمه صلى الله عليه وسلم بتعظيم الله له: { أ لم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك } [الشرح:1-4]. يُذكر الله، فيُذكر رسوله صلى الله عليه وسلم؛ في الشهادة، والأذان، والإقامة، والتشهد، والخطبة، وغيرها.

طاعته صلى الله عليه وسلم ليست دليلاً على محبته فقط، بل هي دليل على محبة الله جل جلاله أيضاً: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: 31].

أين الحب الذي ندعيه؟

نعرفه صلى الله عليه وسلم بمعرفة سنته وسيرته، ونحبه بالاقتداء به. نعظمه تعظيماً للشرع، ونعظمه لتعظيم الله له. نطيعه طاعة لله، ونطيعه حباً لله سبحانه وتعالى. هكذا نؤمن به صلى الله عليه وسلم؛ إيماناً مبنياً على شرائع الإسلام.. إيماناً نبتغي به وجه الله.. إيماناً يوحد الأمة في وجه أعدائها.. نؤمن به إيماناً نوالي به من والاه، مهما كانت اتجاهاتهم وأفكارهم، ونعادي به من عاداه مهما كانت مصالحنا معهم.. نؤمن به صلى الله عليه وسلم إيماناً كإيمان الصحابة رضي الله عنهم { محمد رسول الله } هذه قاعدة إيماننا { محمد رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } [الفتح: 29]. هذه نتيجة الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.. هذه نتيجة محبته صلى الله عليه وسلم؛ نصرة من ينصره، وحرب من يحاربه.. هذه نتيجة الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، لا أن نفترق في طريقة محبته وننسى محبته، لا أن نتناقش في الوسيلة وننسى الغاية..

{ محمد رسول الله، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } نختلف في حكم شرعي، وننسى عقيدتنا التي خلقنا لأجلها.. نختلف في حكم شرعي لمسألة، وننسى أولئك الذين يطعنون في رسول الله صلى الله عليه وسلم.. نختلف فيما بيننا نحن المسلمين، ونترك أولئك الذين يطعنون في رسالته صلى الله عليه وسلم.. نبني عقيدة الولاء والبراء على مسألة شرعية، ونترك أدعياء الإسلام ينتقصونه صلى الله عليه وسلم.. أين ما ندعي من الإيمان به صلى الله عليه وسلم؟! أين الحب الذي ندعيه؟! أين أنت يا حسان بن ثابت، عرفت كيف يكون الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم:

هجوتَ محمداً فأجبت عنه

وعند الله في ذاك الجزاء

هجوت محمداً براً حنيفاً

رسول الله شيمته الوفاء

فإن أبي ووالده وعرضي

لعرض محمد منكم وِقَاءُ

أين الإيمان والمحبة التي ندعي؛ يُشتم أحدنا فنقيم الدنيا ولا نقعدها، ويهان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ويلغى المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بأكمله -وهو السنة- فلا نحرك ساكناً؟!

عذراً رسول الله

بأبي وأمي أنت يا رسول الله { ما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى } يتكلم عن عصرنا وكأنه موجود بيننا: « يوشك الرجل متكئاً على أريكته، يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل، ما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله » [ابن ماجة/المقدمة (10)]. ما أكثر أولئك في عصرنا.. فأين الذين يدعون محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!! أم أننا لا زلنا مشغولين ببعضنا؟!! عذراً رسولَ الله، فإننا مشغولون بتصفية حساباتنا.. عذراً رسول الله، غفلنا عنك مؤقتاً، فالحمية لأحكام الشرع هي التي سمحت للكفر والردة أن تتغلغل في أمتنا. نسينا أن وحدة الأمة هي الإيمان بك، ونسينا أن فرقة الأمة كفر بك ومخالفة لأمرك: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيراً } [النساء: 115]. بأبي وأمي أنت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجرير بن عبد الله رضي الله عنه في حجة الوداع: « استنصت الناس »، ثم قال صلى الله عليه وسلم: « لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض » [البخاري/العلم (121)].

يقول صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين » [البخاري/الإيمان (15)]. حب فوق حب البشر جميعاً.. حب يسمو فوق البشر وتصوراتهم.. فوق البشر وانتماءاتهم، لنكون أمة مسلمة واحدة.. أمة ترقى فوق مصالحها وشهواتها، لأنها تبحث عن غاية أسمى وأعظم، هي مرضاة الله باتباع رسوله.

جالسوا أبناءكم

بعد ذلك.. أجد من العار أن نحصر تفكيرنا وديننا وتشريعاتنا في أن يكون الاحتفال أو لا يكون، أ هو واجب أم حرام، ونحن لا نفقه شيئاً من سيرته ولا نطبقها؟!! دعونا نسمع: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو لمرة واحدة، في عصر لا نسمع فيه إلا الموبقات.. دعونا نسمع: فعل النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، في عصر لا نسمع فيه إلا الغيبة والنميمة والوشايات. أليس من الواجب أن يولد صلى الله عليه وسلم بيننا في كل سنة اثنتا عشرة مرة، بل مائة، بل مائتين، بل أن يولد بيننا في كل يوم من أيام السنة مائة مرة.. جالسوا أبناءكم في كل شهر مرة مثلما تتقاضون رواتبكم، واقرؤوا معهم سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. جالسوهم في كل أسبوع مرة، وعلموهم كيف يستنبطون التشريع من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.. راقبوهم وراقبوا أنفسكم يومياً، هل طبقتم ما تعلمتموه من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!!

أقسم أننا إذا قمنا بهذا فلن نجد أمتنا مائة طائفة وفرقة.. أقسم أننا لن نجد أناساً يتشاجرون؛ هذا حلال وهذا حرام وكل طرف لا يبغي إلا إغاظة الطرف الآخر، حرام مطلق أن نجتمع لتعلم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم -في المناسبات وفي غيرها- أو واجب مطلق يكفر تاركه أو من لا يعتقد بوجوبه.

لا نبحث عن الحكم الشرعي لنتعلمه، ولا نتعلمه لنطبقه، ولا نطبقه لندخل الجنة، وإنما ليضاهي بعضنا بعضاً. ملأت جوارحنا المحرمات، وملأت نفوسنا أمراض القلوب.. جبارون في الأرض، جبارون في السماء، بلغ شموخنا وعزتنا بأنفسنا غايتها، ثم نريد أن ندخل الجنة بعد ذلك. { ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق } [الحديد: 16] ألم يأن لنا أن نسخر كل طاقاتنا في دراسة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته؟! ألم يأن لنا أن نتوجه جميعاً إلى الله بتعلم تشريعات ربنا؟! ألم يأن لنا أن تجتمع كلمتنا على حب الله واتباع رسوله؟!

Advertisements

اكتب رداً

WordPress.com