افضح نفسك في الدنيا قبل أن تفضحك في الآخرة

المقالة منشورة في موقع ناشري بتاريخ: 19 شباط/فبراير 2006م:
هذا الكلمات مجرد كلمات كتبتها لأعظ بها نفسي قبل وعظ الآخرين، ووقفة للتأمل مع نفسي قبل دعوة الناس للتأمل. وقد احترت كثيراً في طرحها على الناس، لأن بعض الناس سيقول: هذا شاب غض يريد موعظتنا وهو ليس لذلك بأهل، والذي يظن في نفسه النباهة سيقول: هذه الموعظة ليست لنا.

إن عنّفت نفسي فسيقال: ما لهذا الرجل يذكرنا بسوء، وسيقول المتزاكون: إنه لا يعنينا بكلامه، وإنما يعني فلاناً وفلاناً، وسيصير كلامي موطناً لتندر الناس على بعضهم وغيبة بعضهم بعضاً.

احترت كيف أحول كلامي من الموعظة الشخصية إلى موعظة الآخرين، لأنني وجدت نفسي في عصر يكثر فيه اتهام الآخرين وتزكية النفس، وأقل ما يقال فيه: إنه عصر يجعل الحليم حيران.

ولكنني رأيت في النهاية أن تعميم الفكرة شيء لابد منه ، ”ورب مبلغ أوعى من سامع“.

من زلت قدمه ووقع في معصية ثم تاب يعلم أنه على خطأ، لكن الذي يتخذ الشيطان قدوة له في حياته، ويتمادى في ذلك حتى أنه يدافع عن أخطائه وزلاته ولا يقبل نصيحةً من أحد لا يشعر بنفسه أنه على خطأ.

أما آن لك يا نفس أن ترعوي وتنزجري، فالشيطان لا يترك فرصة في غوايتي إلا واغتنمها؛ إن قدر على نفخ نار العزة والاستعلاء فيني لم يقصر، وإن رأى لي حاجة عند إنسان حاول أن يغرس فيني حب النفاق والتملق لفلان وفلان من الناس، وإذا كتبت مقالاً أو بحثاً أو كتاباً فلا يألوا جهداً في زرع الرياء والإعجاب بنفسي.

الذي يرى في نفسه السوء ويتعالى على النصيحة وصل إلى درجة أشبهت قول الله تعالى عن المنافقين: {يحسبون كل صيحة عليهم ، هم العدو فاحذرهم} [المنافقون: 4] . والآخر الذي يزكي نفسه حتى ظن النصائح والمواعظ بعيدة عنه شابه أهل الكتاب في قول الله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلاً} [النساء: 49].

رحم الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، كان يبكي في عتمات الليل ويقول: ويل لعمر من النار. وأنا أقول: ويل لنا من النار .. ويل لنا من النار .. ويل لنا من النار. وصلنا إلى درجات من العلم والتقى فاقت صحابة النبي صلى الله عليه وسلم حتى صرنا نتطاول عليهم، ووصلنا مراتب من الاجتهاد فاقت الأئمة الأربعة حتى نادينا بالا مذهبية وعممنا الاجتهاد على عوام الناس بالمجان، بل تَرَقَّى بعضنا إلى مراتب في فهم القرآن دفعته إلى إلغاء السنة النبوية الشريفة تعالياً عليها، ولم يبق إلا لحظات حتى ينزل علينا الوحي من السماء لنصبح جميعاً أنبياء !!

نعم .. إنها لحظات وينزل الوحي من السماء، لكن ليس بقرآن جديد ولا رسالة جديدة، ولكن بالخسف والمسخ والعذاب والعياذ بالله إن بقينا على ما نحن عليه من اتباع خطوات الشيطان وعدم التقرب إلى الله.

ورحم الله القائل: إن كنا جميعاً صالحين وننقد من حولنا دون استثناء، فمن الفاسد الذي يحتاج الإصلاح يا ترى؟! ولماذا حال أمتنا على ما هو عليه اليوم؟!

الله سبحانه وتعالى يقول: {وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء} [يوسف : 53] ، لكن نفوسنا جميعاً سوية لا تأمرنا إلا بالصلاح والخير، فما حاجتنا للنصيحة والإصلاح.

النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر أن يقول: ”يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك “ [مسلم (2140 ، 3522 ، 3587)]، لكن قلبونا كالصخر في فهمها للدين، ثابتة لا تتحرك ولا تتقلب. المعذرة فقد ذكرت هذا الكلام على سبيل المدح ، ويبدو أنه ذم في ديننا ، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ، وإن منها لما يهبط من خشية الله ، وما الله بغافل عما تعملون} [البقرة : 74].

قال الله تعالى : {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين * ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت : 33-34] ، ونحن نشتم غيرنا، وإذا تطاول أحدهم على مقامنا المقدس الرفيع بشتيمة أخذتنا العزة بالإثم فرددنا عليه كيل الشتائم عشرة أضعاف.

نعظ الناسَ أن يتجنبوا الغش والكذب وتأخير الحقوق والغيبة والنميمة، وندعوهم لطلب العلم والمذاكرة والإكثار من ذكر الله والتفكر والأوبة واتهام النفس، فما هو حالنا يا ترى؟!
تباً لتلك النفس الأمارة بالسوء التي لا تأمرنا إلا بكل بلية، وقاتل الله إبليس الذي يعبث بقلوب ضعفاء الإيمان منا ليردينا في جهنم أعاذني الله وإياكم، فقد قال إبليس ـ كما ورد في الكتاب العزيزـ :{قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلَصِين * قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} [ص: 82-85].

جعلنا إبليس قدوتنا، واتبعنا نصائح شياطيننا التي تسري منا مسرى الدم من العروق. قال : اكذبوا فكذبنا، وقال اهضموا حقوق الناس وأخروها قدر استطاعتكم فهضمنا وأخرنا، وقال برؤوا أنفسكم من جرائمكم بالكذب والغيبة والنميمة ففعلنا، وشُغلنا بالتهالك على الدنيا عن الذكر والتفكر فانسقنا، ثم أوهمنا بعد ذلك كله بعلو الشأن ورفعة المقام فظننا الوهم حقيقة.

فهنيئاً لنا ما ارتضيناه لأنفسنا الأوهام، وهنيئاً لنا بعد ذلك الغضب والمقت والهلكة في الدنيا قبل الآخرة، فوعد الله بدخول جهنم لمن تبع الشيطان في غوايته صريح في الآية السابقة.

قالوا: عالم، فقلت: والله لأنا أجهل الناس ولو تفرق علمي بين المشارق والمغارب، فلا تهلكوني وتهلكوا أنفسكم بقولكم هذا. فالعُجْب إن دخل قلبي هلكت بالرياء والكبر؛ فبالرياء يذهب أجر العمل، وأكب على وجهي في النار بالكبر. ثم لا ألبث أن أتشدق بالتفاهات وأظن نفسي على حق، ثم لا أقبل من أحد نصيحة ناصح، فأنا كما قالوا: عالم !! فيهلك الناس معي كما هلكت إن صدقوا سفاهتي وتبعوها.

قالوا: فلان شتمك فخذ حقك منه، ألم تسمع قول الله تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ، وكان الله سميعاً عليماً} [النساء: 148] ، ألم تسمع قول الله عز وجل: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} [الشورى: 41] . قلت: هذا من تلبيس الشيطان، فالشاتم سفيه، وأنا أسفه منه إن رددت له الشتائم. هو يكافئني بحمل أوزاري إن شتمني، وأنا مجنون إن حملت من أوزاره الأضعاف بمضاعفة الشتائم. أما إن استدللتُ بالآيتين فهذه الحجة الدامغة حينئذ على جهلي بكتاب الله وسفاهتي، فالجهر بالسوء لا يكون بالصراخ ومقابلة الشتائم، وإنما بذكر الجناية أمام القاضي. ولو كان فيني خير لقرأت الآية التالية لها: {إن تبدو خيراً أو تخفوه أو تعفو عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً} [النساء : 149]، فقد قال: إن تبدوا خيراً ولم يقل إن تبدوا شراً. أما الانتصار فليس بمقابلة الشتيمة بشتيمة كحياة حيوانات الغاب، ولكنه بأخذ الحقوق بأمر القاض.

قالوا: انظر إلى أولئك المتملقين والمنافقين كيف يُكَرَّمون ويرتقون في المناصب وينعمون بالحظوة والعزوة ؟! قلت: حظوتي عند ربي أعز علي من حظوتي عند الناس، وتقربي إلى الله العلي القدير أرفع وأعز من التهاوي في مناصب الدنيا، وكرم الله الخالق أحب إلى قلبي من كرم المخلوق.

قالوا: إن بقيت على حالك هذا أغضبت الناس وكدرت المفسدين، وحينئذ لن يتركوك في مأمن حتى يفسدوا عليك دنياك. قلت: إذا رضي الله عني فهو غايتي ومقصود ، وإذا رضي سبحانه وتعالى عني أرضى عني الناس، أما ظلم الظالمين فقد تعهد الله بقوله: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} [الحج: 38] ، فأرجو من الله أن أكون من المؤمنين حقاً.
قالوا: من يظن نفسه ذلك الذي ينصحك وأنت فلان بن فلان، وأنت قد بلغ علمك كذا وكذا. قلت: مهما بلغت من العلم فجهلي يفوق علمي، والله سبحانه وتعالى بحكمته جعل بعض أسراره في أضعف خلقه، فأنا جاهل إن تعاليت على بعض خلقه فلم اتعظ بها أو أقبل نصيحتها، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها، ولا يزال الرجل عالماً ما طلب العلم وظن بنفسه الجهل، فمتى ظن أنه قد علم فهو جاهل . ورحم الله عمر رضي الله عنه أبد الآبدين، فهو يقبل النصيحة من كل الناس. صوبته امرأة فقال: ” كل أحد أفقه من عمر“ ، ثم صعد المنبر وصوب خطأه على الملأ.

قالوا ثم قالوا، وقلت: اللهم أسألك أن تلقنني حجتي على شيطاني إلى يوم ألقاك، وثبتني على دينك حتى لا أزيغ عن رضاك، وارزقني حق التوكل عليك، وقربني إلى حمى جنابك الذي لا يضام.

التكبر والإعجاب بالنفس صفة إبليس، والغضب من النصيحة صفة المنافقين ، وظن الخير بالنفس وتزكيتها صفة اليهود، والتيه عن الحق صفة النصارى. أبعدوا عني أخلاق الأباليس والمنافقين واليهود والنصارى، فالذي يثقل كاهلي من الذنوب والمعاصي يكفيني ويرديني. أبعدوا عني تلك الضلالات والغوايات والانحرافات، فالتهالك على الدنيا يكفيني، فقد دخلت معمعة الحياة كغيري، ألهث كما يلهثون، وأسابق على الحياة كما يسابقون، كل ذلك بحجة طلب الرزق، فمالي وزيغ القلب ـ والعياذ بالله ـ أضيفه على الذنوب والتسابق.

ورحم الله ذلك الفقيه العابد الذي قال له أحدهم: أحب الصالحين ولستَ منهم، وهو يريد أن يقول : ولستُ منهم، يعني نفسه فخانه لفظه بسبب جهله بالنحو، فلم يصحح العابد خطأ الرجل، بل قال: نعم والله ، لستُ منهم، لستُ منهم.

وكان يقول دوماً: إنني لم أحسن لأحد، فيقول له الناس: علَّمتَ الناسَ وأفدتهم، وملأ طلابك ومريدوك أرجأ البلد وتقول هذا ؟! فقال : ألم تسمعوا قول الله تعالى : {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها} [الإسراء: 7].

فمتى نترك تقديس شياطيننا ونتوجه إلى ربنا؟! ومتى نتحرر من التبعية لغواية إبليس ونخضع لأوامر ربنا وهدايته؟! متى نعتق رقابنا من الذلة للشياطين ونتعلق بجناب الله حق التعلق؟!

Advertisements

اكتب رداً

WordPress.com