Site icon أ.د. إبراهيم عبد الله سلقيني

الفرق بين الجدال العقيم والحوار العلمي – مقاربة بين المناقشة الفقهية ونظرية القبعات الست

نعاني كثيراً في مجالسنا من حوارات عقيمة لا تصل إلى نتيجة ، بل لا أعتقد أنها ستصل في يوم من الأيام إلى نتيجة . وهذه الحوارات العقيمة تتعدى ـ أحياناً ـ المجالس العامة إلى المؤتمرات والأبحاث العلمية ، حيث يطرح كل طرف مسائل مفرقة لا ارتباط بينها ، ثم يجادل كل شخص عن فكرته التي ربما لا يدري هو ما هي !!

وكل شخص يرفع صوته أكثر ليثبت صحة كلامه ، والآخر يقاطع زميله ليثبت زيف ما ادعاه في موضوع جانبي جديد ، لنجد أنفسنا في وسط جوقة من الأصوات المتعالية لمجموعة من الطرشان الذين لا يريدون سماع بعضهم بعضاً .

1ـ تبدأ المشكلة في أنهم جميعاً لا يعلمون ما هي المشكلة التي يناقشونها ، وبالأخص في مجتمع يغص بالمشكلات والأزمات ، فيفتحون عشر جبهات في وقت واحد ويناقشونها كلها في وقت واحد .

2ـ ثم لا يتمكنون جميعاً من طرح وجهات نظرهم بسبب كثرة المقاطعات في غير مكانها ، والتي تخالف بشكل واضح آداب الحديث التي تعلمناها في ديننا .

3ـ ثم عدم طرح الأدلة الكافية للفكرة بسبب عدم الاستعداد للفكرة المطروحة ، فالموضوع قد تم ارتجاله ولم يتم إعداده مسبقاً .

4ـ ثم ـ بالتأكيد ـ عدم التمكن من الرد على أدلة القول الآخر .

5ـ ثم افتقاد المنهجية العلمية في نقاش الأفكار ، وصعوبة التخلي عن الـ “ أنا ” ، وبالتالي عدم الوصول إلى نتيجة مفيدة لكل الحاضرين .

6ـ ثم أخيراً عجزنا عن جدولة الأفكار السابقة لتحديد نقاط الاتفاق والاختلاف ، والتمييز بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد ، للخروج في النهاية بنتيجة أننا اتفقنا على كذا ، واختلفنا في كذا . والسبب أننا لم نجلس في مجلسنا لنصل في النهاية إلى نتيجة ، ولكن للتسلية ومضيعة الوقت ، ومجرد الترف الفكري والعبث .

هذه النقاط الست السابقة حلها موجود في خطوات البحث الفقهي السليم ، الذي يضبط الأفكار بميزان علمي دقيق ، وهذه الخطوات هي :

1ـ تحرير محل النزاع : ونجد ذلك بوضوح في كتاب بداية المجتهد لابن رشد .

2ـ عرض الأقوال في المسألة : ونجد ذلك في كل كتاب الخلاف الفقهي .

3ـ عرض أدلة الأقوال السابقة بالتفصيل دون أي مناقشة أو ردود .

4ـ مناقشة الأدلة مجردة عن أصحابها ، فالمناقشة في هذه المرحلة للأفكار ، والأفكار فقط ، والله سبحانه وتعالى يقول : { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم } .

5ـ الترجيح .

6ـ ثمرة الخلاف واستخلاص النتائج .

لتقريب الصورة للأذهان أكثر نفترض أن مريضاً دخل إلى المشفى بسبب مرض مستعص . فاجتمع الأطباء لدراسة حالته ، فالواجب عليهم أولاً أن يحددوا موضع المشكلة بدقة ، وإلا فإن حوارهم في العلاج سيكون عقيماً وأحدهم يعتقد أن المشكلة في قدمه والثاني في دماغه والآخر يعتقد أن المشكلة في الغدد .

وبعد تحديد موضع المشكلة سيطرح كل طبيب وجهة نظره في الحل ، في حدود المشكلة المطروحة فقط ، وعندها ستتحول آراء الأفراد إلى آراء مجموعات ، لنتحول من “ أنا ” إلى “ نحن ” في روح الفريق .

وبعدها سيعرض كل فريق البراهين والأدلة على رأيه دون مقاطعات ، وأؤكد على عدم المقاطعات ؛ لأن الإنصات يفسح المجال للعقل للتفكير أولاً ، والتخلي عن الـ “ أنا ” وتقبل الآخر ثانياً .

ثم يرد كل فريق براهين المخالفين التي يعتقد أنها غير سليمة ، ويتقبل البراهين السليمة التي طرحها الفريق الآخر .

ويجب أن لا تخلو الجلسة من منسق جلسة يراقب الحوار عن كثب ، وينظم الأفكار ، ويوجه الحوار ـ بشكل غير مباشر ـ ليأخذ مساره الأقرب إلى الصواب .

ثم في النهاية يكتب مقرر الجلسة ما توصل إليه المجتمعون في جلستهم ، والقرارات التي سيقومون بتنفيذها .

لكن الواقع أن الأطباء ـ في بعض بلدان العالم الثالث ـ يدخلون في نقاش عنيف لدراسة حالة المريض ، لنفجع في النهاية بأن المريض قد مات بسبب عدم الوصول إلى قرارات في هذا “ النقاش العنيف ” ؛ لأنه جدال عقيم ، وليس نقاشاً علمياً .

هذه الهيكلية العلمية للحوار التي درسناها في طريقة صياغة البحوث الفقهية في الجامعة منذ سنوات عديدة يبدو قريباً منها الكتاب الذي ألفه الكاتب “ إدوارد ديبونو ” وسماه “ القبعات الست للتفكير ” ، وتحدث فيه عن الآتي :

ـ المشكلة الأساسية في عدم تلاقي الأفكار هو الـ “ أنا ” .

ـ تنوع شخصيات البشر في التفكير إلى ست شخصيات .

ـ ضرورة تقمص كل المحاورين للشخصيات الست واحدة تلو الأخرى بالترتيب الذي حدده .

ـ لا يحق للمحاور أن يخرج عن هذه الشخصية إلى الشخصية التالية حتى ينتهي المحاورون جميعاً من تقمص تلك الشخصية .

ـ الحوار يجب أن يكون هادئاً ، والمقاطعة ممنوعة .

أما تلك القبعات فهي :

1ـ البيضاء : موضوعية ، حيادية . وتركز فقط على الحقائق الموضوعية والأرقام .

2ـ القبعة الحمراء : تمثل وجهة النظر العاطفية .

3ـ القبعة السوداء : تركز على النواحي السلبية ، وسبب عدم القيام بها .

4ـ القبعة الصفراء : رمز للتفاؤل والأمل والتغير الإيجابي .

5ـ القبعة الخضراء : رمز للابتكار والإبداع والأفكار الجديدة .

6ـ القبعة الزرقاء : تلعب دور التحكم المنظّم لعملية التفكير ، واستخدام القبعات الأخرى .

أياً كانت الفروق التفصيلية بين الطريقة التقليدية التي درسناها في الجامعة ، وهذا الكتاب ، فإن باب التفكير الإيجابي والحوار الصحيح يكمن في ست نقاط :

1ـ قراءة الآراء كاملة بموضوعية وحيادية .

2ـ البحث عن الأدلة العلمية ، لا الأدلة التبريرية .

3ـ البحث عن السلبيات لتفاديها ، لا الانتقاص منها .

4ـ النقاش العلمي الذي يخلو من المقاطعة والانتقاص للأشخاص ، فأنت من بيده جر الآخرين للسفاهة أو الارتقاء بالحوار إلى الموضوعية العلمية .

5ـ أن يكون الهدف الوصول إلى نتيجة (واحدة، أو متنوعة) ما أمكن ذلك .

6ـ والنظر إلى الأمور من خارج القفص (سعة الأفق) ؛ لأن الذي ينظر من داخل القفص لا يرى سوى الجدران الداخلية لهذا القفص الذي سجن نفسه فيه .

Exit mobile version