حكم المشاركة في الحرب الأوكرانية:

وردتني عدة استفسارات عن حكم المشاركة في الحرب الأوكرانية، وفيما يلي تفصيل الحكم في المسألة:

  • أولاً: المصالح العامة للمسلمين والعالم الإسلامي:
    1. الحاكم العام للمسلمين هو الذي يحدد هذه المصالح.
    2. في غياب هذا الحاكم فالمرجع في معرفة تلك المصالح يكون للحاكم المسلم الحريص على مصلحة بلده، فهذا يمكن أن نثق به في مصلحة ذلك البلد وحده، دون المصالح العامة للمسلمين والعالم الإسلامي.
    3. أنظمة الحكم العسكري والجبري والأنظمة التي تقتل شعوبها لا يمكن الوثوق بمواقفها وقراراتها؛ لا في تحديد مصلحة المسلمين عموماً، ولا في تحديد مصلحة ذلك البلد المسلم على وجه الخصوص.
    4. يمكن الرجوع إلى أهل العلم والاختصاص الدقيق في هذه المسائل (العلاقات الدولية) لتحديد المصالح والمفاسد في هذه الحرب.
    5. فتاوى المشاركة وعدم المشاركة يجب أن يجتمع فيها العلم الدقيق في العلاقات الدولية بالإضافة إلى العلم الفقهي العميق، ولا يحسن أن يتصدر كل إنسان للفتوى والتنظير في هذا المجال؛ لأن المفاسد المترتبة على الخطأ فيها شنيع.
    6. في حال أصبح لنا نظام حكم واحد أو تحالف واحد قوي، كتفعيل دول منظمة التعاون الإسلامي على سبيل المثال، وبالتالي سيكون لنا نظام قوي مؤثر عالمياً، فإن ميزان المصالح والمفاسد سيختلف تماماً، وبالتالي ستختلف الأحكام التالية بشكل شبه كامل.
  • ثانياً: الأعمال القلبية:
    1. المؤمن يفرح بكل هزيمة تنزل على رؤوس من أعلنوا الحرب على الله ورسوله، فكيف بمن أسرفوا في قتل النساء والأطفال المسلمين في أفغانستان والشيشان وسوريا وغيرها.
    2. الفرح بهزيمة الروس لا يقتضي الفرح بانتصار الأوكرانيين، فلا تلازم بين الأمرين، والكتلة الغربية لا تقل سوءاً عن الكتلة الشرقية في دعم الدكتاتوريين والعسكر في بلاد المسلمين.
    3. التعاطف مع الشعوب المظلومة والمقهورة يكون من منطلق القيم الإنسانية العامة في الدين الإسلامي في التعاطف مع الشعوب والمدنيين والنساء والأطفال والشيوخ والأبرياء، لا مع الدول والحكومات والسياسيين الذين لن يعاملونا بالمثل في ظل نظرهم لمصالحهم فقط.
    4. مساعدة تلك الشعوب المظلومة يكون عندما تكون عندنا دولة قوية يمكنها فعل ذلك، أما في غياب تلك الدولة وفي غياب تلك القوة وفي حالة عجزنا حتى عن مساعدة أنفسنا فإننا ننظر إلى تلك الدول وتلك التحالفات من منطلق مصالح المسلمين تجاهها، لا من منطلق العواطف الساذجة التي تغفل عن المصالح والمفاسد والتوازنات الدولية، وبالتالي فلا نتعاطف مع تلك الحكومات والدول مهما حصل لها ولشعوبها؛ لأنها ليست حليفة لنا.
    5. يستدل القائلون بجواز الفرح بانتصار أوكرانيا بقوله تعالى: {غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)} [الروم: 2-5]. والاستدلال بهذه الآية لا يصح من وجوه:
      • أن سبب نزول الآية هو ميل المشركين للفرس لأنهم أهل وثن لا يؤمنون بالبعث، بينما كان المسلمون يميلون للروم لأنهم أهل كتاب ويؤمنون بالبعث، فأغاظهم المشركون بذلك النصر، فنزلت تلك الآية. أما الروس والأوكران فكلاهما أرثوذكس، فهما في كره المسلمين سواء.
      • هذه الآية كانت معجزة في بيان ما سيحصل في المستقبل من المغيبات، وأسلم بسببها عدد من المشركين، قَالَ النَّحَّاسُ: “وَقَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَوْلَى- أَنَّ فَرَحَهُمْ إِنَّمَا كَانَ لِإِنْجَازِ وَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى، إِذْ كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى النُّبُوَّةِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمَا يَكُونُ فِي بِضْعِ سِنِينَ فَكَانَ فِيهِ”.
      • مرد الفرح والحزن هو مصلحة المسلمين، وفي انكسار شأفة الطرفين في زماننا فرح للمسلمين لا محض انتصار عدو على آخر، أما في زمانهم فقد قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في هذه الآية: وَيُشْبِهُ أَنْ يُعَلَّلَ ذَلِكَ بِمَا يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ مِنْ مَحَبَّةِ أَنْ يَغْلِبَ الْعَدُوُّ الْأَصْغَرُ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ مَئُونَةً، وَمَتَى غَلَبَ الْأَكْبَرُ كَثُرَ الْخَوْفُ مِنْهُ، فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَعْنَى.
      • خبر نصر الفرس وصل إلى المسلمين يوم بدر، وخبر نصر الروم وصل يوم الحديبية الذي سماه القرآن فتحاً، وهذا يحتمل تفسير {يومئذ} بفرحهم بهذين النصرين كما قال بعض المفسرين، ويحتمل فرحهم بزوال بأس فارس والروم بهاتين الحربين الكبيرتين، وليس فرحاً بنصر طرف دون طرف، فتأمل.
  • ثالثاً: الحرب العسكرية:
    1. أوكرانيا تمثل حدود روسيا وحدود حلف الناتو، وبالتالي فالحرب ليست بين روسيا وأوكرانيا، وإنما بين هاتين الكتلتين، فروسيا حريصة على حفظ حدودها، والناتو حريص على حفظ حدوده أيضاً، وعليه فلا ناقة للمسلمين ولا جمل في هذه الحرب. بل إن انتصار روسيا سيزيد تجبرها وطغيانها على بلاد المسلمين، وانتصار الناتو سينتج عنه زيادة طغيان أمريكا.
    2. بناء على ما سبق فإن الأصل في الحكم هو حرمة مشاركة المسلمين في هذه الحرب، سواء مع روسيا أو مع أوكرانيا؛ لأن في ذلك إزهاق لأرواح المسلمين فيما لا مصلحة للمسلمين فيه، تماماً كإقحام المسلمين والدولة العثمانية في الحرب العالمية بين الحلفاء، ثم اتفقوا جميعاً على تقاسم العالم الإسلامي، وبالتالي فلا يجوز للمسلمين أن يكونوا وقوداً لحروب الآخرين.
    3. بناء على ما سبق فإن القتال في أوكرانيا أو في روسيا ليس جهاداً، وهو انتحار، بل فيه شبهة الولاء لغير المسلمين، وهذا أشنع من القتال تحت راية عمية التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن قاتَلَ تَحْتَ رايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أوْ يَدْعُو إلى عَصَبَةٍ، أوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فقِتْلَةٌ جاهِلِيَّةٌ” [مسلم]، فكيف بمن يقاتل تحت راية يهودية أو صليبية أو أرثوذكسية صريحة.
    4. دول الاتحاد السوفيتي السابق التي تعتقد أن في هزيمة روسيا تحرر لها يجوز لها المشاركة في المعارك ضد روسيا، والأفراد يجوز لهم أن يشاركوا تحت غطاء تلك الدول بشكل منظم تتحمل فيه تلك الدول تبعات المشاركة، وليس في صورة فردية ولا في صورة ميليشيات؛ لأن المشاركة بصورة فردية أو فصائلية فيه محظوران:
      • القتال تحت راية يهودية أو صليبية أو أرثوذكسية، وقد سبق الكلام عن ذلك.
      • سيدفع الغرب في المستقبل لتصنيف أولئك الأشخاص والفصائل كإرهابيين على عادتهم في رد الجميل للمسلمين دوماً بهذه الطريقة!!
    5. يجب على المسلمين من أعضاء الجيش الأوكراني أن يحاولوا الانتقال من خطوط الهجوم والمواجهة إلى خطوط الدفاع والدعم اللوجستي لتقليل الضحايا بينهم.
    6. يجب على المدنيين المسلمين داخل أوكرانيا (على اختلاف جنسياتهم) البحث عن أماكن آمنة للحفاظ على أرواحهم؛ لأن أرواحهم أغلى من روسيا والناتو.
  • رابعاً: الحرب الإعلامية: يجب على المسلمين المشاركة في الحرب الإعلامي على عدة محاور:
    1. التركيز باللغة العربية على كيل الغرب بمكيالين وتحيزه وعنصريته تجاه أوكرانيا من جهة وقضايا المسلمين من جهة أخرى، وذلك لتخفيف حدة انبهار وتعلق المسلمين بكذب السياسيين الغربيين وتصريحاتهم المنافق.
    2. استخدام حسابات حقيقية ومستعارة باللغات الأجنبية:
      • الحسابات الحقيقية لاستثمار الحملات الإعلامية الغربية في عرض مجازر روسيا في سوريا وإظهار شناعتها والمقارنة بينها، وإظهار تقصير الغرب في دعم الشعب الأعزل في سوريا.
      • الحسابات المستعارة لتحريض الطرفين على بعضهما لتستمر الحرب أطول فترة ممكنة؛ لأن في ذلك إنهاك روسيا والناتو معاً.
    3. عداوتنا لروسيا لا ينبغي أن تحولنا إلى أبواق إلكترونية وذباب إلكتروني لحساب أوكرانيا التي هي مجرد واجهة للناتو، فهذا يعيد للأذهان اصطفاف عوام المسلمين مع وضد في الحرب العالمية داخل القهاوي، بينما الطرفان يتفقان على تقاسم العالم الإسلامي وتفتيته.
  • خامساً: نصائح عامة:
    1. فليحذر المسلمون أن تكون الحرب الأوكرانية سبباً للخلاف بين المسلمين أنفسهم، فهذا مع فريق وذاك مع الآخر.
    2. ما يحصل في أوكرانيا وفي غيرها يجب أن يدفعنا للتفكير في مصالح المسلمين والعالم الإسلامي كما أن كل دولة وكل تحالف ينظر لمصالحة وحده، لا أن تسوقنا العواطف الجياشة لنكون جيوشاً لتحقيق المصالح السياسية والإعلامية والعسكرية لهذا وذاك. فلا يعقل أن غيرنا يفكر بنفسه فقط، بينما نحن نفكر بمصالح الآخرين ونعمل لأجلها
    3. وأخيراً أذكر إخوتي المؤنين بقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83].

هذا والله أعلم.

اكتب رداً

%d مدونون معجبون بهذه: